فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 278

ولئن وظف الساسة والحكام مفهوم السواء توظيفا مغرضا لترويض الشعوب وإخضاعها فتعددت مفاهيم السواء بتعدد الأنظمة والأحزاب، والزعماء والقادة، وأصبح السوي في دولة الحزب الواحد ليس هو السوي في دولة التعددية الحزبية؛ والسوي لدى الدولة العلمانية ليس هو السوي لدى الدولة المذهبية؛ والسوي لدى الدولة الملكية ليس هو السوي لدى الدولة الجمهورية؛ والسوي لدى الدولة الاشتراكية ليس هو السوي لدى الدولة الرأسمالية؛ والسوي لدى هذه الطائفة ليس هو السوي لدى الطائفة الأخرى ... وكل من خرج عن سواء هذه الدولة أو تلك، أو هذه الطائفة أو تلك، وجد نفسه تحت طائلة التصفية المادية أو المعنوية، فإنما ذلك لافتقادهم صدق التوجه وإخلاص النية وموضوعية التفكير، وتجاهلهم أن السواء الحق قيمة مجردة تبنى على أساس عقدي سليم من مصدر موثوق، وليس لهم في ذلك إلا الخالق الذي علم الإنسان ما لم يعلم، والذي خاطب الإنسان إذ أهبطه إلى الأرض ووعده بالرشد والهداية فقال: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} البقرة 38، ثم وفى بعهده فأرسل الرسل وأنزل الرسالات وعلم الكتاب والحكمة والبينات وقال: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} الحديد 25، فتمت بذلك كلمة االله صدقا وعدلا، وانبنت بذلك الشخصية السوية التي تستنير بنور ربها وتركن إلى بارئها على ركيزتين من نور، ولاء لله عز وجل ووفاء بعهده.

الولاء لله سمة الكون كله منذ خُلِقَ عبدا ساجدا لربه طوعا وكرها {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} الرعد 15، {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} 93، والوفاء بعهد الله سمة الصالحين الأسوياء منذ {أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} الأعراف 172، ثم أمرهم به على ألسنة الرسل والأنبياء، وذكرهم به ضمن آخر ما نزل من الوحي إلى الأرض بقوله تعالى: وَاذْكُرُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت