على أصل واحد تستند إليه وتقيم منهجها على أساسه، وناظم واحد يضبط التصرفات ويميز معادن الرجال، أصل واحد هو التوحيد الخالص لله تعالى ألوهية وربوبية، ونبذ الشرك ظاهرا وخفيا والنفاق عملا ومعتقدا. وأن ذلك كله هو الإسلام، ولا إسلام غيره، الإسلام الذي نزل به آدم عليه السلام إلى الأرض، وبشر به كل الأنبياء والرسل عليهم السلام، وجدده محمد صلى الله عليه وسلم. به الحكم في الدنيا وعلى أساسه الحساب والجزاء في الآخرة. من رضيه وعمل به فهو المسلم ومن أعرض عنه ونبذ عقيدته وشريعته فليس من الإسلام في شيء. وناظم واحد هو الوفاء المطلق للمواثيق والعهود، سواء كانت مع الله تعالى أو مع خلقه، عهودَ إيمان أو عقدة بيع أو نكاح أو حلف أو مطلق معاملة مباحة لا تتعارض مع أحكام الشرع، يوضح ذلك بدون لبس أو خفاء أن السورة شددت في معظم آياتها على ذلك، وأنها أول سورة في المصحف ابتدأت بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} وتكرر هذا النداء فيها ست عشرة مرة من أصل 88 مرة وردت في القرآن الكريم، في كل مرة يأتي متعلقا بميثاق خاص، فكانت هذه السورة بذلك حاملة لخصائص الدين وختام الوحي وإكمال الرسالة، تعابيرها حاسمة لا تدع لمتأول حجة، ومضامينها العقدية والتشريعية متراصة متكاملة فيما بينها، ومع ما سبقها من التنزيل، لا تترك لسفيه منفذا للنيل من الدين وأهله، وقد حكى النقاش أن أصحاب الفيلسوف الكندي قالوا له: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أيامًا كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر، ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلًا عامًا، ثم استثنى بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا.
على هذا النسق المعجز تتساوق في سورة المائدة تعاليم العقيدة ولاء وبراء كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ