علم إطلاقًا، كأن يجادلون في أصل الدين، فهذا من باب استهلاك الوقت للصد عن سبيل الله، قال تعالى: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 66] ، فعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما ضل قومٌ بعد هدى كانوا عليه إلا أُوتُوا الجدل ) )، ثم تلا هذه الآية: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] الآية [1] .
ومن ثَمَّ يردُّ عليهم القرآن بالنفي القاطع المقترن باستدراك فيه الحجة الداحضة لهذه الشبهة، يقول سبحانه: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا} [آل عمران: 67] ، فالاستدراك يحصر المسألة الجدلية فيما هو دين إبراهيم الذي تزعمون أنه على ملتكم، ونزعم نحن أننا على ملته، يقول سبحانه: {وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67] .
إننا نزعم - نحن المؤمنين - بأن إبراهيم عليه السلام كان حنيفًا مسلمًا، وهو ما يعني أنه لم يكن من المشركين، بينما عقيدة اليهود والنصارى قائمةٌ على الشرك، وهذا هو الأساس الذي نحاجهم به في عقيدتهم، قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:30 - 31] .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا كان يومُ القيامة أذَّن مُؤذِّن: تتبع كل أمة ما كانت تعبدُ، فلا يبقى من كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبقَ إلا مَن كان يعبد الله بر أو فاجر وغبرات أهل الكتاب، فيدعى اليهود، فيقال لهم: مَن كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرًا ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون، فقالوا: عطشنا ربنا، فاسقنا، فيشار: ألا تَرِدُونَ، فيُحشَرون إلى النار كأنها سرابٌ يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، ثم يُدعَى النصارى، فيقال لهم: مَن كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون، فكذلك مثل الأول حتى إذا لم يبق إلا مَن كان يعبد الله من بر أو فاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأَوْه فيها، فيقال: ماذا تنتظرون، تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: فارقنا الناس في الدنيا على أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم، ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نعبد، فيقول: أنا ربكم فيقولون: لا نشرك بالله شيئًا مرتين أو ثلاثًا ) ) [2] .
(1) رواه ابن ماجه ج 1 ص 55 رقم 47، وصححه الألباني: صحيح ابن ماجه ج 1 ص 55 رقم 47.
(2) رواه البخاري ج 14 ص 74 رقم 4215.