فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 177

أما الرجل، فهو الطرف الأقوى، فلا يُشتهى لذاته، وإنما يشتهى لما معه من مال أو سلطان أو قوة؟

ربما فهذا محتمل، وهو ما قاله ابن عاشور: (ولم يذكر الرجال؛ لأن ميل النساء إلى الرجال أضعف في الطبع، وإنما تحصل المحبة منهن للرجال بالإلف والإحسان) ، بَيْد أنه بالرجوع للسياق يتبيَّن أن هذه الأصناف الستة ذكرت في معرض القتال في سبيل الله، في إشارة قرآنية إلى أن النساء أحد المُعوِّقات عن الرباط في سبيل الله، فكان في عدم ذكر الرجال تحديدًا للمقصود وعناية بالغرض الأصلي من السورة، نظير ذلك قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] .

كما يجدر التنويه إلى أن نية الجهاد تتداخل مع نية نكاح النساء كثيرًا، وليس آكدَ على ذلك من قولِه صلى الله عليه وسلم: (( فمن كانت هجرته لِدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) ).

ولذلك فإن المرابط بنيته في سبيل الله يحتاج دائمًا إلى تذكير، لا ليترك الجهاد خوفًا من فتنة بني الأصفر كالمنافقين، {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [التوبة: 49] ، ولا أن يقبل على الجهاد بنية نكاحِهن أو التمتع بهن إذا ما غنم إحداهن.

ومن التذكرة تذكيره بأن الله تعالى أباح التمتع بالنساء بالزواج الشرعي لأجل تذكر نعمة الآخرة من جهة، ومن جهة أخرى لأجل بناء الأسرة المسلمة، فمن غفل عن هاتين النيَّتينِ سقط في فتنة النساء وانشغل بهن عن الجهاد في سبيل الله، ولا غبار عليه أن يضيف إلى ذلك نية ثالثة ألا وهي العفة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (( وفي بُضْع أحدكم صدقة ) )، قيل: في شهوته صدقة؟ قال: (( لو وضعها في الحرام أليس كان عليه وزر، فكذلك إن وضعها في الحلال كان له أجر ) ) [1] .

إذًا فالاشتهاء في ذاته مباح، لكن إذا خرج عن دائرة مقصده، وشغل المرء بالنكاح عن طاعة ربه، وبخاصة عن مدافعة الباطل والانتصار لأهل الحق، هنا ينقلب المباح إلى حرام، يقول المولى سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: 14] .

ثانيا: البنين: حُبِّب للناس البنون؛ لأنهم سبب للعزوة والنصرة، ولذلك فُضِّل البنون عن النساء في الإنجاب، وإن كان في إنجاب البنات مصالح شرعية ترتجى، بَيْدَ أن في إنجاب البنين زيادة في قوة العشرة والعشيرة، ودعم لنصرة الرجل، وبخاصة عند الهرم، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ

(1) رواه مسلم في صحيحه ج 5 ص 177 رقم 1674، ورواه البخاري في الأدب المفرد ج 1 ص 89 رقم 227، وصححه الألباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت