يعبثَ بها كلُّ ذي هوًى، وكل ذي شهوة، وكل ذي مصلحة، وضمانة هذه التقاليد الصالحة من أن يقول فيها كل امرئ برأيه وبتصوره، زاعمًا أن هذا هو الخير والمعروف والصواب!).
والسؤال إذا لم يتعدَّ صاحب المنكر حق الغير، وكان محصورًا على ضرر نفسه، كمَن يشرب الخمر، أو يزني، أو تزني أو لا ترتدي الحجاب، كيف يكون إنكار المنكر الذي أتى به؟
هنا لا بد وأن نُفرِّق بين المنكر الذي يتعدَّى أثره إلى غير المعيَّنين، كشارب الخمر، فإنه قد يضر غيرَه من الناس حال السكر، وكذا مَن تفتِنُ الناس بجسدها ولا تتورع أن تأتي بفعل فاضح في المكان العام، فهؤلاء إن كانوا يظنون أنهم لا يعتدون بحريَّتهم الشخصية على حريات الآخرين، فإنهم مخطئون؛ لأنهم يحبون أن تشيع الفاحشة بفعلهم الفاضح في الأماكن العامة وَفْقًا لمعيار الإسلام، ويهجمون بفعلهم على السمت العام للمجتمع الذي يتمسك بأخلاق الإسلام، ليهدموا قيمه وأخلاقه بما يظهرونه من المعاصي والبدع، والله تعالى توعَّدهم بالعذاب في الدنيا والآخرة، فقال في كتابه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19] ، وهو ما يستفاد منه أن ما يفعلونه يُوجِب أن تتوجَّه إليه جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المنتدبة من الإمام، ليعاقبوا عليه متى ظهرت منهم مخالفة في ذلك؛ ذلك أن الإسلام حينما أوجب الحجاب، وحرم السفور والتبرج، فإنه يرسي قاعدة أخلاقية تُمثِّل إحدى ظواهر التحضُّر الإنساني، وتبتعدُ به كل البعد عن الجاهلية والتخلف، يقول سبحانه: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] .
يقول صاحب الظلال:
(يشير النص القرآني إلى تبرج الجاهلية، فيوحي بأن هذا التبرُّج من مخلفات الجاهلية التي يرتفع عنها مَن تجاوز عصر الجاهلية، وارتفعت تصوراته ومُثُله ومشاعره عن تصورات الجاهلية ومُثُلِها ومشاعرها) .
والمرأة غير المؤمنة إذا استقلَّت بنفسها فلم يكن للمؤمن عليها سلطان، فإنها إما أن تكون ذمِّية أو مستأمنة، والمستأمنات هن ما يطلق عليهن في الاصطلاح المعاصر (السائحات) ؛ فإنهن - أي السائحات - وإن كن غير ملتزمات بأن يرتدين الحجاب الشرعي طالما أنهن غير مؤمنات وكذا الذميات؛ لأن الخطاب في الحجاب لكل امرأة تخضع لولاية رجل مؤمن، فإنهن ملتزمات - بالرغم من ذلك - بمراعاة الآداب العامة التي تقرها أعراف المجتمعات التي تخضع لأحكامها، ولَمَّا كنَّ في ظل الإسلام يخضعن لحكم الإسلام، فإنهن ملتزمات بتغطية عوراتهن، لقول الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 26] .
قال القرطبي: