فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 177

والأعراض، والنسل، ولو باليد عند الحاجة، أولى من دفع الاعتداء على الأموال لأجل حفظها، ولا شك أن المحتسب إذا ما وجد منكرًا فله أن يبدأ دفعه بالأشد؛ لأنه مأمور بحفظ المجتمع من الجريمة ابتداءً، فإذا كان الغالب أن الجاني قادر على إنفاذ جرمه، أو أوشك على ذلك، فله أن يدفعه طالما توافرت القرائن المبرِّرة لذلك، وله أن يقبض عليه بتهمة الشروع في الجريمة.

من هنا أجاز العلماء ارتكاب أخف الضررين لاتقاء أشدهما متى تعذر اتقاؤهما، ومقتضى هذه القاعدة - كما قالوا -(أنه إذا لم يكن بد من ارتكاب أحد الضررين، فيجوز للإنسان أن يرتكب أخفهما لدفع الأشد، ولا يجوز له أن يرتكب أشد الضررين لدفع أخفهما، فتطبيق هاتين القاعدتين يوجب على المكرَه أن يأتي من الأمرين أمرًا واحدًا بعينه، فإذا أتاه فهو لا يختار في الواقع، وإنما يضطر إلى إتيانه اضطرارًا بحكم الإكراه أولًا، ونزولًا على حكم الشريعة ثانيًا، وإذًا فاختياره ينعدم تمامًا إذا نزل على حكم قاعدتَي الضرر سالفتَي الذكر، فتنعدم المسؤولية الجنائية لانعدام الاختيار وترتفع العقوبة.

أما إذا خالف حكم قاعدتَي الضرر ودفع الضرر بمثله، أو دفع الضرر الأخف بالأشد، فقد اختار، وهذا الاختيار لا يعدم المسؤولية الجنائية، ولا يرفع العقوبة، ولو كان مداه ضيقًا) [1] .

وإذا كان هذا هو حكم الإسلام فيمن يدفع صائلًا عن نفسه، فينكر منكره بالأخف ثم الأشد، فإن هذا الحكم يتعدى كذلك للكافة ليدفعوا الصائل على الغير، ولو لم يقع عدوانه على النفس، لقوله صلى الله عليه وسلم: (( انصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا ) )، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: (( تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره ) ) [2] .

وهذا الحكم استنبطه شرَّاح القانون الوضعي من الإسلام وطبَّقوه، حتى إنهم وضعوا في قوانينهم الجنائية حقَّ العامة في القبض على المتلبِّس بجريمة وتسليمه لأقرب رجل سلطة عامة، وذلك إذا ما شوهد بارتكابه جريمة يعاقب عليها القانون بالحبس أو أشد، ومن ثَمَّ يكتسب الكافة صفة الضبطية القضائية حال قبضهم على هذا المجرم حتى تسليمه لأقرب رجل سلطة عامة في أحوال التلبس بالجرائم، وهو عين ما أقره الإسلام، لو أضحى المنكر منكرًا في المجتمع والمعروف معروفًا، ولم تنقلب الأوضاع بعد.

يقول صاحب الظلال:

(فمنهج الله في الأرض ليس مجرَّد وعظٍ وإرشاد وبيان فحسب، فهذا شطر، أما الشطر الآخر، فهو القيام بسلطة الأمر والنهي، على تحقيق المعروف ونفي المنكر من الحياة البشرية، وصيانة تقاليد الجماعة الخيِّرة من أن

(1) الدكتور المستشار/ عبدالقادر عودة، التشريع الجنائي الإسلام ج 2 ص 132.

(2) رواه البخاري ج 21 ص 283 رقم 6428.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت