فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 177

عنه، ولا أن تمنع معروفًا أكبر من المعروف الذي كانت تأمر به، فإذا أدى إنكار المنكر لمنكر أكبر أو مفسدة أعظم، فهنا لا يجوز الإنكار؛ لأن الإنكار في هذه الحالة لا يؤدي مقصده، من ذلك ما اعتذر به نبي الله هارون لأخيه موسى عليهما السلام لما عاتبه في عدم إنكاره المنكر في ردة بني إسرائيل عن الإسلام بعبادة العجل، قال تعالى: {قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 92 - 94] .

وعليه قال العلماء: إن من قبيل ذلك كذلك الإنكار على ولي الأمر - الشرعي أو المتغلب - بالخروج عليه، كأصل عامٍّ، فإنه يستلزم منكرًا أعظم، والنبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، والإنكار على الملوك والولاة يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه أساس كل شر وفتنة، ولهذا كان من أصول أهل السنة لزوم الجماعة، وترك قتال الأئمة، وترك القتال في الفتنة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (( ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمَن عرَف برئ، ومَن أنكر سلم، ولكن مَن رضي وتابع ) )، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: (( لا، ما صلوا ) ) [1] ، والصلاة هنا علامة على أنه وإن أخطأ فإنه يريد حفظ الدين، وترك الصلاة علامة على استهانته بأمر الدين، والتضييق على المصلين في أماكن عباداتهم قريب من ترك الصلاة، لقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114] ، إذًا العبادة أحد المعايير الظاهرة في الحكم على الأمور سياسة، بل وأظهرها في الحكم على وسيلة تغيير المنكر بالنسبة للحكم، بَيْدَ أن المعيار الأعم والأشمل في ذلك ثابتٌ في حديث عُبادة بن الصامت، قال:"دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على (( السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا نُنازِع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان ) ) [2] ؛ كأن يستحلَّ الدماء بغير حق، ولو استحل دماء غير المسلمين بغير حق، فإنه يجب دفعه؛ لأن لهم علينا ذمة الله ورسوله، ولأجل ذلك سُمُّوا بأهل الذمة، والمقصد أن يستحلها، لا أن يخطئ في الحكم؛ لأن الخطأ وارد، أما مَن يستحل محرمًا، فقد غيَّر شرع الله، وهو ما يعد من الكفر البواح، بَيْدَ أنه ينقص لإنكار المنكر عليه إقامة البرهان؛ أي: إقامة الدليل الواضح والظاهر للعيان عليه، بأنه فعل ذلك الكفر البواح، كأن يكون القتل عشوائيًّا أو أن يصرح بذلك ... إلخ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا ترجعوا بعدي كفَّارًا"

(1) رواه مسلم ج 9 ص 400 رقم 3445.

(2) رواه البخاري ج 21 ص 444 رقم 6532.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت