إنها خصائص لرسول الله!! رسول الله الذي جاء ليكمل مكارم الأخلاق، رسول الله الذي وصفه الله فقال فيه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} !!؟.
ما نشك في دين الذين قالوا ذلك، فهم علماء مسلمون، لهم الكثير من الفضل، ولكن ما حدث كان نتيجة لعدم الالتزام بالقواعد، وللإغراق في التفريعات الفقهية، حتى نسيت الأصول، والحقائق الكبرى لهذا الدين، والصفات العظيمة لهذا الرسول الكريم، صلوات ربي وسلامه عليه.
إنه لا مجال للعقل والخيال والاجتهاد والقياس في رسم صورة شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى ولا للأحاديث الضعيفة. ذلك أنه صلى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة والمبلغ عن الله سبحانه وتعالى. وقد تكفلت لنا الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة ببيان معالم شخصيته صلى الله عليه وسلم وهي المصدر الذي ينبغي الاعتماد عليه والرجوع إليه، ففي الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة ما يلبي الحاجة بل وأكثر من الحاجة.
وفي ضوء ما سبق، ندرك تمامًا عظم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تضافرت الأحاديث الصحيحة على التنفير منه.
موقف العلماء من الخصائص:
منع بعض العلماء الكلام في الخصائص، لأنه أمر انقضى فلا معنى للكلام فيه.
وفصَّل بعضهم في الأمر:
قال إمام الحرمين [1] : قال المحققون: ذكر الاختلاف في مسائل الخصائص خبط غير مفيد، فإنه لا يتعلق به حكم ناجز تمسّ إليه حاجة، وإنما يجري الخلاف فيما لا نجد بدًا من إثبات حكم فيه، فإن الأقيسة لا مجال لها، والأحكام الخاصة تتبع فيها النصوص، وما لا نص فيه، فتقدير اختيار فيه، هجوم على الغيب من غير فائدة [2] .
ومنع ابن خيران [3] الكلام في الخصائص بالاجتهاد.
وقال إمام الحرمين في النهاية: ليس يجوز إثبات خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأقيسة التي تناط بها الأحكام العامة في الناس، ولكن الوجه ما جاء به الشرع من غير ابتغاء مزيد عليه [4] .
وقال النووي: وقال سائر أصحابنا: لا بأس به، وهو الصحيح، لما فيه من زيادة العلم، فهذا كلام الأصحاب. والصواب الجزم بجواز ذلك بل استحبابه بل لو قيل بوجوبه لم يكن بعيدًا، لأنه ربما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتة في الحديث الصحيح، فعمل به أخذًا بأصل التأسي، فوجب بيانها لتعرف فلا يعمل بها، وأي فائدة أهم من
(1) إمام الحرمين: هو عبد الملك بن عبد الله .. الجويني، أبو المعالي، أعلم المتأخرين من أصحاب الإمام الشافعي، توفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة للهجرة.
(2) روضة الطالبين 7/ 17.
(3) ابن خيران: هو أبو علي الحسين بن صالح بن خيران البغدادي، فقيه شافعي ورع، توفي سنة عشر وثلاثمائة هجرية.
(4) مرشد المحتار ص 55 - 56.