وهذا الأمر لم يحدث، بل إن الوقائع تنفيه، فجويرية بنت الحارث حينما جاءته تستشيره بأمر نفسه إثر غزوة بني المصطلق، قال لها: «فهل لك إلى ما هو خير منه؟» قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك» قالت: قد فعلت [1] .
فاستئذانه لجويرية صريح، وما نظن - بل إننا على يقين - من أنها لو رفضت ذلك، لما تم هذا الزواج، فكرم أخلاقه صلى الله عليه وسلم يأبى أن يكرهها على أمر لا رغبة لها فيه.
والحقيقة: أن البحث في هذه المسألة من فضول القول الذي لا طائل تحته، إلا ضياع الوقت في أمر لم يكن.
قالوا: كان يحل له صلى الله عليه وسلم نكاح المعتدة من غيره، على وجه حكاه البغوي والرافعي:
قال ابن الملقن: وهو غلط لم يذكره الجمهور، وغلَّطوا من ذكره.
والصواب - كما قال النووي في الروضة - القطع بالمنع [2] .
قال النووي: بل الصواب القطع بامتناع المعتدة من غيره [3] ،.
قال ابن الصلاح: قال الغزالي في الخلاصة: وهو غلط منكر، وددت محوه منه. وتبعه فيه صاحب مختصر الجويني [4] .
ويلاحظ كم أتعب صاحبُ هذا القول العلماء في الرد عليه، في مسألة غير قابلة للاجتهاد وذلك لمنع ذلك بقوله تعالى: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [5] .ولم يثبت ما يدل على خصوصية الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، ولذا فهو صلى الله عليه وسلم داخل في الخطاب الذي ورد في الآية الكريمة دخولًا أكيدًا لأنه صلى الله عليه وسلم هو المبين بعمله وقوله الكتاب الكريم.
قالوا: واختص صلى الله عليه وسلم بأنه يباح له في طلاقه الزيادة على الثلاث [6] .
قال ابن البلقيني [7] ؛ والذي ظهر لي في مدرك ذلك: أن الطلاق في صدر الإسلام كان غير منحصر في الثلاث، ثم حصر في الثلاث لما قصد بعض الناس المضارة بذلك. فإن نظرنا إلى عموم اللفظ في قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [8]
(1) وانظر تفصيل ذلك في المسألة الخامسة من الفصل الأول.
(2) بداية السول ص 214.
(3) روضة الطالبين: 7/ 10.
(4) بداية السول ص 214.
(5) سورة البقرة، الآية (235) .
(6) قال بذلك أبو ثور والمزني وأبو بكر الدقاق من فقهاء الشافعية (مرشد المحتار ص 278) .
(7) هو عبد الرحمن بن عمر، من علماء الحديث بمصر، انتهت إليه الفتوى، توفي بالقاهرة سنة (824 هـ) .
(8) سورة البقرة، الآية (229) .