إنَّ الذي يستقرئ دور أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في عهد أبي بكر وعمر يجده لا يتجاوز الاستشارة في الأمور الشرعية، التي ربما خفيت عليهما ولا تخفى عليها، ولم يتعد ذلك إلى المعارضة في تولية الولاة، أو عزلهم، أو غير ذلك التي في عمقِ السياسة الأساسية للدولة؛ لأنه لم يحدث خلاف بين الراعي والرعية حتى يكون هناك أي مجال لأحد أن يتدخل في تصرفاتهما.
ولما كان عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان (سارت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الشطر الأول في خلافته سيرتها في زمن الخليفتين قبله، وقد زادت مكانتها العلمية في هذا العهد وذلك لاتساع الدولة الإسلامية، ودخول أمم وشعوب كثيرة في الإسلام، وقد احتاج الناس إلى علمها وفقهها فَقَصدوها من كل مكان يسألونها.
(فصلٌ) بروز الدور السياسي لعائشة في عهد عثمان وأسبابه.
قام عثمان -رضي الله عنه- بصفته خليفة المسلمين بتصرفات لم تنل رضا بعض الناس واعتبروا أن عثمان كان مخطئًا فيها فعارضوه على تلك الأعمال فلم يستمع لتلك المعارضة لاعتقاده أنه لم يجانب شرع الله فيما يعمل، فما كان منهم إلا أن لجئوا إلى من كانوا يجدون لديها الجواب والحل لكثير من مشكلاتهم، فقد طلبوا من أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- التدخل في الأمر، لمكانتها لدى عثمان بن عفان (، بل وعند الناس كلهم، لعلها تغير من الواقع الذي لم يرضوه شيئًا.
ورغبةً من أم المؤمنين في إصلاح أمور المؤمنين طلبت من عثمان بن عفان العدولَ عن تصرفاته التي قام بها، والرجوع إلى ما كان عليه من قبل، فاشتدَّ الموقف فيما بينهما، مما جعل أعداء هذا الدين يستغلون ذلك الخلاف ويؤججون ناره، حتى وصل الحال إلى مقتل عثمان بن عفان (. تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تصف ذلك: (كان الناس يتجنون على عثمان(ويزرون على عماله، ويأتوننا في المدينة فيستشيروننا فيما يخبروننا عنه، ويرون حسنًا من كلامنا في الإصلاح بينهم، فننظر في ذلك فنجده بريًا تقيًا وفيًا، ونجدهم فجرة كذبة، يحاولون غير ما يظهرون .... ) [1] . ومن ذلك الموقف الذي وقفته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- من تصرفاته جعلها تدخل السياسة من أوسع أبوابها،
(1) (تاريخ الطبري) (3/ 15) .