وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللَّهِ (فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: «كَيْفَ تِيكُمْ» [1] ؟ فَذَاكَ يَرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَ مَا نَقَهْتُ [2] ، وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ -وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا- وَلَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ [3] قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّنَزُّهِ [4] ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ -وَهِيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بن الْمُطَّلِبِ بن عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بن عَامِرٍ، خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بن أُثَاثَةَ بن عَبَّادِ بن الْمُطَّلِبِ - فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ [5] . فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ! أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قَدْ شَهِدَ بَدْرًا؟ قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ [6] أَوْ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قُلْتُ: وَمَاذَا؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ؛ فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ (فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: «كَيْفَ تِيكُمْ» ؟ قُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهْ مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ [7] عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا. فقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ [8] وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ [9] ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ (عَلِيَّ بن أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بن زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيَُ [10] يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ
(1) هي من أسماء الإشارة للمؤنث, مثل (ذاكم) للمذكر.
(2) نقهت: بفتحِ القاف, وقد تكسر! ومعناه: أفقتُ من مرضي؛ ولم تكتمل صحتي.
(3) الكنف جمع كنيف؛ وهو الساتر. والمراد به هنا المكان المتخذ لقضاء الحاجة.
(4) تريد أنهم لم يتخلَّقوا بأخلاقِ العجم.
(5) قولها"تعس"بفتحِ وكسرها لغتان مشهورتان؛ ومعناه: عثر وقيل: لزمه الشر.
(6) أي يا هذه, وقيل معناه: يا بلهاء كأنها نسبت إلى قلةِ المعرفةِ بمكايد الناسِ وشرورهم.
(7) "وضيئة"بوزن عظيمة من الوضاءة أي حسنة جميلة وعند مسلم حظية: من الحظوة أي رفيعة المنزلة.
(8) أي لا ينقطع عني الدمع.
(9) كناية عن السهر.
(10) معناه بالرفع"الوحيُ"أي طال لبث نزوله, وبالنصب"الوحي"أي استبطأ النبي صلى الله عليه وسلم نزوله.