وظيفة خبرية أو مرجعية، بينما النص الذي يلحقه ذو وظيفة جمالية تخييلية. فالخبر يعضد المتخيل ليوهم المبدع القارئ بصدق الحقيقة، أو الإيهام بصدق المحكي. أما المقتبسات الداخلية، فتكسر خطية السرد، وتقطع حبكته الحكائية لتنسج تداخلا إبداعيا، ينصهر فيه النص الإخباري والنص التخييلي.
وأغلب المقتبسات التي يتعامل معها بنسالم حميش، في رواية (مجنون الحكم) ، متفاعلات تاريخية قديمة، تتجاوز النص - المتن. وتمتد هذه المتفاعلات النصية التاريخية إلى تاريخ الدولة الفاطمية، بالإشارة إلى وقائع أو شخصيات (الحاكم - أبو ركوة - العبد مسعود - ست الكل- الظاهر ... ) ، أو إلى أحداث معينة. وهكذا، تشير المقتبسات الخارجية منها والتاريخية إلى سيرة الحاكم، برصد تناقضات أحكامه وتنزهاته وإلاهياته، وفضح لواطية العبد مسعود، واستعراض الثورة المهزومة باسم الثائر باسم الله من ناحية، وذكر سيرة الست الكل من ناحية أخرى. ونجد، ضمن هذه المقتبسات الداخلية، متفاعلات أدبية عبارة عن أبيات شعرية:
دع اللوم عني لست مني بموثق
فلا بد لي من صدمة المتحنق
وأسقي جيادي من فرات ودجلة
واجمع شمل الدين بعد التفرق" [1] "
ويرد هذا المتفاعل لتعضيد النص وتدعيمه، وتنويع سجله السردي بطريقة إبداعية رائعة. ويلاحظ أن المقتبسات الموجودة في (مجنون الحكم) مبرزة بشكل واضح؛ إذ هي مسورة بعلامات التنصيص، ولها إحالات مرجعية موثقة بالأرقام، ومحددة المصادر والمراجع. فالمقتبسات بنيات نصية مستقلة بذاتها ومتكاملة في شكل مقاطع صغيرة أو كبيرة، لها
(1) - بنسالم حميش: مجنون الحكم، دار رياض الريس، لندن 1990، ص 21.