فهو شبكة من التفاعلات الذهنية، ونسق من المصادر المضمرة والظاهرة التي تتوارى خلف الأسطر، وتتمدد في ذاكرة المتلقي عبر آليات، مثل: المعرفة الخلفية، وترسبات الذاكرة، والخطاطات النصية، والسيناريوهات التصورية، والتداخل النصي، وتعدد الأصوات، والأسلبة، والباروديا، والتهجين ...
ويدل التناص كذلك على أن النص الأدبي عصارة من التفاعلات والتعالقات النصية التي تتم على المستويين: الدلالي والشكلي. والتناص أيضا مجموعة من الأصوات والإحالات التي تنصهر في النص الأدبي بطريقة واعية أو غير واعية، أو هو التداخل النصي بصفة عامة.
ومادام التناص موجودا، فمن الصعب الحديث عن إبداع أصيل خالص للمبدع، أو عن النص الأب، أو النص الأصل- كما يرى رولان بارت في كتابه (درس السيميولوجيا) [1] ،بل النصوص الإبداعية هي امتصاص ومحاكاة للنصوص السابقة، وتفاعل معها عبر عمليات الحوار، والنقد، والأسلبة، والباروديا، والتهجين، والسخرية، والحوارية ...
إذا كان التناص مصطلحا معروفا في النقد العربي بدلالات أخرى (التضمين، والاقتباس، والإحالة ... ) ، فإن الغرب قد طور هذا المفهوم، وأصبح تقنية فعالة وإجرائية في فهم النص وتفسيره، وآلية منهجية في مقاربة الإبداع وتشريحه قصد إثرائه بالدلالات الظاهرة أو المضمرة. وأصبح المبدع - اليوم- يكثر من الإحالات التناصية، والمستنسخات النصية، والرموز الموحية، والخلفيات المسكوت عنها إلى أن أصبح النص مصبا للنصوص، وفضاء لاختزال أفكار السابقين في إطار عصارة تناصية، تحتاج إلى استنطاقها
(1) - رولان بارت: درس السيميولوجيا،، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال، الدار البيضاء، طبعة 1985 م، ص:63.