فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 94

ووضعوا السِّلاح، ثم إنَّ الله - تعالى - قبَض نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - فكانوا كذلك آمِنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقَعوا فيما وقَعوا فيه، فأدخل عليهم الخوف فاتَّخذوا الحجزة والشرط وغيَّروا فغيّر بهم.

يقول المولى - سبحانه وتعالى - في كتابه الكريم: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} [النور: 55] .

في الآية الكريمة معانٍ واضحات، ولمحات طيِّبات، وإرشاد كريم، ووعد محقَّق، فالآية الكريمة أولًا تُفَسِّر قوله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] ، فالإيمان وعمل الصالحات هما سبيل النصر، وهي ثانيًا: بيان العمل الذي من أجله يمكِّن ... الله - عزَّ وجلَّ - للمؤمنين في الأرض، وهو: {يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} ، وهذا بيانٌ لوظيفة الخلق: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، وهي الهدف من الحكم بما أنزل الله - تعالى: {إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40] .

ففي غمرة الأحداث السياسيَّة وصِراع أمم الأرض، يَنسَى المسلِمون أنَّ الله نصَر نوحًا - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا دعاه:"أنِّي مغلوب فانتصر"، ونصر هودًا وصالحًا - عليهما السلام - على كثرة عدوِّهم وقلَّة ناصِرِيهم من البشر، ونصَر إبراهيم ولوطًا وسائر أنبيائه ورسله، ثم قال لهذه الأمة: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [النور: 55] ، وقد تحقَّق الوعد للمؤمنين من أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وكانوا في أمَّةٍ لا ينظر إليها أحد إلا بعينِ الاحتِقار والاستِصغار، فإذا بهم يملكون فارس والرُّوم واليمن وإفريقيَّة، ويَتَوغَّلون في أوروبا، ذلك لما حقق القوم الشرط:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت