وسلم: (( لا تُشَدُّ الرِّحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد ) ): أنَّ الطُّور الذي كلَّم الله عليه موسى وسمَّاه الوادِي المقدَّس والبقعة المبارَكة - داخلٌ في النهي، وقد نهوا الناس عن السفر إليه ولم يخصوا النهي بالمساجد، وقد صَحَّ عن سعيد بن المسيب أنَّه قال: مَن نذَر أنْ يعتكف في مسجد إليا [1] فاعتَكَف في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أجزأ عنه، ومَن نذَر أنْ يعتَكِف في مسجد المدينة فاعتَكَف في المسجد الحرام، أَجزَأ عنْه، ومَن نذَر أنْ يعتَكِف على رُؤوسِ الجِبال، فإنَّه لا ينبَغِي له ذلك، ويعتَكِف في مسجد جماعة، وهذا الذي نهى عنه سعيد بن المسيب متَّفَق عليه عند عامَّة العُلَماء، وإنْ قدر أنَّ الرجل لا يُسمِّي ذلك اعتِكافًا، فمَن فعَل ما يَفعَل المعتكف في المسجد فهو معتكِفٌ في غير المسجد، وذلك منهيٌّ عنه بالاتِّفاق، والمقصود هنا أنَّ السفر إلى غير المساجد الثلاثة؛ من قبر، وأثر نبي، ومسجد، وغير ذلك - ليس بواجبٍ ولا مُستَحبٍّ بالنص والإجماع.
المسجد الأقصى أفضلُ المساجِد بعدَ المسجد النبوي، وفي بيت المقدس من قبور الأنبياء ما لا يُحصِيه إلا الله، فهل يقول عاقلٌ: إنَّ فضيلته لأجل القبور؟ والمسجد الأقصى صلَّتْ فيه الأنبياء من عهْد الخليل، وصلَّى فيه من أولِياء الله ما لا يُحصِيه إلا الله، وسليمان بنى هذا البِناء وسَأَل ربَّه ثَلاثًا كما سبَق.
ولهذا كان ابن عمر يأتي من الحجاز فيدخل فيُصلِّي ثم يخرج ولا يشرب فيه ماءً؛ لتُصِيبه دعوة سليمان، وكان الصحابة ثم التابعون يأتون ولا يقصدون شيئًا ممَّا حوله من البِقاع ولا يُسافِرون إلى قرية الخليل ولا غيرها [2] .
لَمَّا جاء الوحيُ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في غار حراء، خرَج فزعًا إلى بيته فاستقبلَتْه خديجة - رضي الله عنها - تُطمئِنه حتى هدأ، وذهبتْ معه إلى ورقة بن نوفل الذي سمع منه قصَّته، ثم قال له كلمةً قويَّة: لم يأتِ رجلٌ قطُّ بمثْل ما جِئتَ به إلا عُودِي؛ رواه
(1) هو المسجد الأقصى.
(2) راجع"مجموع الفتاوى"؛ لشيخ الإسلام (27/ 5 وما بعدها) .