البخاري.
فهي سُنَّة في الأنبياء جميعًا، بل في دعوتهم، فكلُّ مَن دعا بها عُودِي، لكنَّ الله ينصُر مَن ينصُره: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51] ، ويقول - تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 5 - 6] .
وكان ذلك شأن الإسلام والرِّسالات السابقة من قبله، يعرف ذلك مَن عرَف سنَّة الله في خلقه، حتى إنَّ البخاري أخرج في"صحيحه"من قول هرقل لأبي سفيان:"وسألتُك: أشراف الناس اتَّبعوه أم ضُعَفاؤهم؟ فذَكرتَ أنَّ ضُعَفاءَهم اتَّبعوه، وهم أتباعُ الرسل، وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرتَ أنهم يزيدون، وكذلك أمرُ الإيمان حتى يتمَّ".
ولقد جاء الإسلام فاتَّبعه الضُّعَفاء وعاداه الأقوياء، فنصَر الله مَن نصَرَه، وخذَل مَن خذَلَه، فلقد أخرج البخاري في"صحيحه"عن خبَّاب بن الأرتِّ قال:"شكَوْنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مُتَوسِّد بردةً له في ظِلِّ الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: (( كان الرجل فيمَن قبلَكم يُحفَر له في الأرض فيجعل فيه، فيُجاء بالمِنشَار فيُوضَع على رأسه فيشق باثنين، وما يصدُّه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصدُّه ذلك عن دينه، والله ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يَسِير الرَّاكِب من صَنعاء إلى حضرموت لا يَخاف إلا الله والذِّئب على غنمه، ولكنَّكم تستعجلون ) )."
وذكَر ابن كثيرٍ في"البداية والنهاية"قال: وَثَبَتْ كلُّ قبيلة على مَن فيها من المسلمين، فجعلوا يحبِسونهم ويُعذِّبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتدَّ الحرُّ، مَن استَضعفوه منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم مَن يُفتَن من شِدَّة البَلاء الذي يُصِيبه، ومنهم مَن يَصلُب لهم ويعصِمه الله منهم، وكان بلال صادقَ الإسلام وكان أميَّة بن خلف يُخرِجه إذا حميت الظهيرة ثم يأمُر بالصخرة العظيمة فتُوضَع على صدره، ثم يقول له: لا والله لا تَزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعُزَّى، فيقول وهو في ذلك: أحد أحد، فمَرَّ عليه أبو بكرٍ الصديق وهو يُعذَّب فاشتراه من أميَّة بعبدٍ له أسود، فأعتَقَه وأراحه من العَذاب.
وكانتْ بنو مخزوم يخرُجون بعَمَّار بن ياسر وبأبيه وأمِّه - وكانوا أهل بيتٍ أسلموا - إذا