فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 94

حميت الظهيرة يعذِّبونهم برمضاء مكة، فيمرُّ بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول: (( صبرًا آل ياسر، موعدكم الجنة ) )، وكان أبو جهل الفاسق الذي يُغرِي بهم في رجالٍ من قريش، إنْ سمع برجلٍ قد أسلم له شرف ومنعة، أنَّبَه وخزاه، وقال: تركت دين أبيك وهو خيرٌ منك، لنسفِّهنَّ حلمك، ولنغلبنَّ رأيك، ولنضعنَّ شرفك، وإنْ كان تاجِرًا قال: والله لنكسدنَّ تجارتك، ولنهلكنَّ مالك، وإنْ كان ضعيفًا ضربه وأغرى به - لعَنَه الله وقبَّحَه.

وكانوا يَضرِبون أحدهم ويجيعونه ويعطِّشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسًا من شدَّة الضرب الذي به؛ حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: اللات والعُزَّى إلهان من دون الله ... فيقول: نعم؛ افتِداءً منهم بما يبلغون من جهدهم.

فانظر - رَعاك الله - لتعلَم من ذلك أنَّ طريق الأنبياء ومَن تبعهم ينصره الله بعد أنْ يظهر الناس تمسُّكهم بدينهم وعملهم بشرع ربهم - سبحانه وتعالى - فينصرهم ويؤمنهم في ديارهم، ويجعل الحياة رغدًا عليهم، فإنْ غيَّروا تغيَّر الأمر؛ لقوله - تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِن دُونِهِ مِن وَالٍ} [الرعد: 11] ، وقوله - سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 53] .

ولقد أخرج الطبري وابن كثيرٍ وغيرهما في تفسير سورة النور عند قوله - تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [النور: 55] ، فذكروا عن أبي العالية قال: كان ... النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بمكة نحوًا من عشْر سنين يدعون الله وحدَه وإلى عبادته وحدَه لا شريك له سِرًّا وهم خائفون، لا يُؤمَرون بالقِتال حتى أُمِروا بالهجرة إلى المدينة، فقدموها فأمرهم الله بالقِتال، فكانوا بها خائفين يُمسُون في السِّلاح ويُصبِحون في السِّلاح، فصبروا على ذلك ما شاء الله أنْ يصبروا، ثم إنَّ رجلًا من الصحابة قال: يا رسول الله، أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أمَا يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السِّلاح؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه ... وسلم: (( لن تصبروا إلا يسيرًا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيًا ليست فيه حديدة ) )، وأنزل الله هذه الآية، فأظهر الله نبيَّه على جزيرة العرب، فأَمِنُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت