الصفحة 39 من 82

إلى غلظ المفسدة المقتضية للحظر إلا وينظر مع ذلك إلى الحاجة الموجبة للإذن؛ بل الموجبة للاستحباب أو الإيجاب

-تعليل منع طواف الحائض بأنه لأجل حرمة المسجد، رأيته يعلل به بعض الحنفية؛ فإن مذهب أبي حنيفة أن الطهارة واجبة له، لا فرض فيه، ولا شرط له، ولكن هذا التعليل يناسب القول بأن طواف المحدث غير محرم، وهذا مذهب منصور بن المعتمر وحماد بن أبي سليمان، رواه أحمد عنهما

-على قول هؤلاء [1] لا يحرم طواف الجنب والحائض إذا اضطرا إلى ذلك، كما لا يحرم عندهم الطواف على المحدث بحال؛ لأنه لا يحرم عليهما دخول المسجد حينئذ، وهما إذا كانا مضطرين إلى ذلك أولى بالجواز من المحدث الذي يجوزون له الطواف مع الحدث من غير عذر، ألا ترى أن المحدث منع من الصلاة ومس المصحف مع قدرته على الطهارة! وذلك جائز للجنب مع التيمم، وإذا عجز عن التيمم صلى بلا غسل ولا تيمم في أحد قولي العلماء، وهو المشهور في مذهب الشافعي وأحمد، كما ثبت في الصحيح أن الصحابة صلوا مع الجنابة قبل أن تنزل آية التيمم.

-وإذا كانت إنما منعت من الطواف لأجل المسجد، فمعلوم أن إباحة ذلك للعذر أولى من إباحة مس المصحف للعذر، ولو كان لها مصحف ولم يمكنها حفظه إلا بمسه، مثل أن يريد أن يأخذه لص أو كافر أو ينهبه أحد، أو يتهبه منها، ولم يمكنها منعه إلا بمسه؛ لكان ذلك جائزًا لها، مع أن المحدث لا يمس المصحف، ويجوز له الدخول في المسجد؛ فعلم أن حرمة المصحف أعظم من حرمة المسجد، وإذا أبيح لها مس المصحف للحاجة فالمسجد الذي حرمته دون حرمة المصحف أولى بالإباحة.

-إن كان المنع من الطواف للحائض لمعنى في نفس الطواف، كما منع من غيره، أو كان لذلك وللمسجد: كل منهما علة مستقلة، فنقول: إذا اضطرت إلى ذلك بحيث لم يمكنها الحج بدون طوافها وهي حائض؛ لتعذر المقام عليها إلى أن تطهر، فهنا الأمر دائر بين أن تطوف مع الحيض، وبين الضرر الذي ينافي الشريعة؛ فإن إلزامها بالمقام إذا كان فيه خوف على نفسها ومالها، وفيه عجزها عن الرجوع إلى أهلها، وإلزامها بالمقام بمكة مع عجزها عن ذلك، وتضررها به لا تأتي به الشريعة؛ فإن مذهب عامة العلماء: أن من أمكنه الحج ولم يمكنه الرجوع إلى أهله لم يجب عليه الحج، وكثير من النساء إذا لم ترجع مع من حجت معه لم يمكنها بعد ذلك الرجوع، ولو قُدر أنه يمكنها بعد ذلك الرجوع فلا يجب عليها أن يبقى وطؤها محرمًا مع رجوعها إلى

(1) يريد من سبق ذكرهم وهم: حماد، ومنصور، وبعض الحنفية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت