الصفحة 49 من 81

عليه فرحب بي، وقال: قد بلغتنا ولايتك، فما أحسن ما انتشر عنك وما أديت كل الذي لله عليك، فلا تعد، قال: فكانت موعظة سفيان إياي أبلغ مما صنع بي ابن أبي يحيى" [1] ."

لله ما أعظم جهاد هذه الأمّ الكريمة، إذ تصرّ على تعليم ولدها مع فقره، ثم ترهن له داره حتى يضرب في آفاق الأرض مرتحلًا.

وقد ساعدتها نجابة الشافعي في تخفيف بعض الأعباء المالية كما قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: كنت أنا في الكتاب أسمع المعلم يلقن الصبي الآية فأحفظها أنا، ولقد كنت - ويكتبون أئمتهم -يعني ألواحهم وكتبهم- فإلى أن يفرغ المعلم من الإملاء عليهم - قد حفظت جميع ما أملى، فقال لي ذات يوم: ما يحل لي أن آخذ منك شيئًا [2] .

لقد اجتمعت للشافعي إذًا ثلاثة من أسباب العلوّ؛ النسب الشريف الذي يجعله يرمق المعالي ويسعى إليها ويترفّع على سفاسف الأمور، واليتم الذي يجعله عصاميًّا يعتمد على ذاته ويؤسس بنفسه لمستقبله، لا ينتظر أبًا ولا جدًّا، والفقر الذي يدفع بهمّة المرء العزيز نفسًا إلى الخروج منه والتمسك بأسباب ذلك.

وهذه الثلاثة مجتمعة - مع صدق طوية وعزيمة قوية - هي التي جعلت من الشافعي ذلك العلم الأشمّ الذي سمعت به الدنيا، فما ضرّه انتفاء الشكليّات مع توفّر الجوهر، بل إنه ليوظف هذه الشكليات التي تيئس آخرين لتحقيق قصده وصقل عزمه، وهو صاحب الأبيات الحكيمة الذائعة في هذا المعنى:

عليّ ثياب لو يباع جميعها ... بفلس لكان الفلس منهن أكثرا

وفيهن نفس لو تقاس بمثلها ... نفوس الورى كانت أعز وأكبرا

وما ضر نصل السيف إخلاق غمده ... إذا كان عضبًا حيث وجهته برى

في هذه التربية المثلى نشّأت الشافعي أمّه، كأحسن ما يكون، فرحمها الله من أمّ ووالدة، لقد قصرت حياتها عليه ولم تتزوج، ووضعت لتربيته طريقًا واضحةً لم تختلط بغيرها، وواصلت السير فيها بعزيمة لا تكلّ، واختارت له من عظيم الأمور أعلاها ومن المنازل الكريمة أفضلها وأسماها، وقصدت به منابع العلم في بحورها حتى شرب وشبع وخرج الريّ منه يفيض على العالمين ويملأ طباق ما بين الخافقين.

(1) انظر: جامع بيان العلم وفضله (1/ 413) ، وآداب الشافعي ومناقبه، (21) .

(2) معجم الأدباء (6/ 2395) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت