ظلّت أم الشافعي رحمهما الله تمدّه طوال طريقه بنصائحها المفيدة العاقلة وترشده إلى أقوم الطرق في مشواره بما أوتيت من عقل وحكمة وفهم حسن.
وظلّ الشافعي يقبس من نبلها وأدبها وحسن فهمها إلى أن بلغ ما بلغ.
فلله درهما من مفيد ومستفيد ومن مؤدّب ومتأدب!
تذكر بعض الكتب أمّ الشافعي فتنسبها هي الأخرى - كأبيه - إلى آل البيت الأطهار، وتعرّفها بأنّها هي فاطمة بنت عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما رواه الحاكم أبو عبد الله الحافظ [1] ، لكن الجمل في حاشيته وصف هذا القول بالشذوذ، ويرجّح القول الثاني أنها كانت أزدية يمنية، واسمها فاطمة بنت عبد الله الأزدية، وهذا هو القول الصحيح المشهور الذي انعقد عليه الإجماع؛ إذ كل الروايات التي رُويت عن الشافعي في نسبه تذكر على لسانه أن أمَّه من الأزد [2] .
آخر ما وقفت عليه من حياة أمّ الشافعي أنها كانت على قيد الحياة وقت رحلة الشافعي إلى اليمن، ليلي بعض الأعمال عليها، وكان يتردد على المدينة بين الفينة والأخرى، وإبّان ذلك كانت محنته حين اتهم بأنه يناصر العلويين على بني العبّاس.
وهذه المحنة كانت سنة 184 هـ، وعمر الشافعي وقتها في أواسط عقده الثالث، كان له من العمر أربعًا وثلاثين سنة.
ولم أقف على ما يفيد حياة أم الشافعي بعد هذا الوقت، أجزل الله مثوبتها.
وفي حياة والدة الشافعي - تلك التي أهدت للأمة إمامًا عظيمًا، ملأ سمع الأرض علمًا - دروسٌ عظيمةٌ لذات الّلب الحصيفة، منها:
-من توفّرت بعد موت زوجها على تربية أبنائها الأيتام فأحصنت نفسها بالوسائل الشرعيّة وأوصلت أبناءها إلى الدرجات المرضيّة قد قدّمت من جليل الأعمال وعظيم الأفعال ما تستحق عليه عظيم الشكر وجزيل الثناء.
-خير السبل التي يتوجّه إليها المرء سبيل خدمة الدين، فهو أنفعها وأبقاها وأثمرها.
-الصعوبات في طريق عالي الهمّة - ولدًا أو والدة - هي محفّزات لا عقبات.
(1) انظر: تاريخ دمشق (51/ 275) .
(2) انظر: حاشية الجمل (1/ 23) ، والمجموع (1/ 14) ، ومنازل الأئمة الأربعة، (201) ، وللتفصيل راجع: الدرّ النّفيس في بيان نسب إمام الأئمة محمد بن إدريس الشافعي، للحموي، ط. الريان - بيروت.