الصفحة 29 من 81

خير منك ومن أصحابك, وكان مع ذلك برًّا بالوالدين صوامًا قوامًا بكتاب الله معظمًا لحُرم الله, يُبْغِض أن يُعصى الله عز وجل [1] .

ودافعت أسماء عن ابنها دفاعًا مجيدًا, فانكسر الحجاج وانصرف, فبلغ ذلك عبد الملك, فكتب إليه يلومه في مخاطبته أسماء وقال: مالك ولابنة الرجل الصالح [2] .

إنّ تمسُّك المرأة المسلمة بعقيدتها وتضحيتها لأجل فداء تلك العقيدة بالمال والزوج والولد والنفس نموذج بارز ظاهر شائع في ديننا، وأخبار السيرة تفيض بذلك فيضًا؛ تؤثر الأمهات دينهن على دنياهنّ وأخراهنّ على أولاهنّ ويقدّمن أغلى ما يملكن مساهمة في عزّ هذا الدين، وبمثل أولئك تنتصر العقائد وتعزّ الأمم.

وموقف أسماء من أعلى هذه النماذج وأعظمها، أو هو أعلاها وأعظمها؛ إذ إن الشيء ينفس وترتفع قيمته عند تفرّده، وقد كانت أسماء في زمن عزّ فيه ذلك وندر، والموقف فيه حسّاس يوزن بميزان الدقّة بحيث لا يفهمه جميع النّاس، وهذه ندرة أخرى تعتبر إلى جوار الأولى فترفع من شأن ذلك الموقف.

وليس هذا الموقف بغريب في حياة أسماء.

إنّ الدور المنوط بالأمّ في تربية القادة وتخريج العلماء دور أساسي لا يقوم به عنها أحد غيرها كائنًا من كان، وعلى قدر وعي الأم ومن ورائها المجتمع بهذا الدور يعظم المخرج، وهذا واضح جدًّا في حياة العظيمات والعظماء الذين تناولنا سيرهم هنا، لقد استطعن أن يخرجن للأمة قادة وأئمة غيّروا وجه العالم وحولوا مجرى التاريخ، وهذا ليس ببعيد عن من سعت إليه وقصدت، والله يرعاها ويشد من أزرها ويعينها، فمن التي تنوي هذا؟ ومن تعمل له بجد؟

رحم الله أسماء ورحم الله ولدها ورضي عنهما في الأولين والآخرين، وسلام عليهما في الخالدين إلى يوم الدّين، آمين.

(3) أمّ إمام الحفّاظ وسيد الزهّاد

سفيان بن سعيد الثوري رحمهم الله تعالى

(1) البداية والنهاية (11/ 209) .

(2) نفسه، وقد نقلت هذه الأحداث الأخيرة من كتاب عبد الله بن الزبير للصلابي، بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت