الصفحة 28 من 81

فلست بمُبتاع الحياة بسُبَّة ... ولا مُرتَق من خشية الموت سُلَّما

احملوا على بركة الله"، ثم حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجون, فرُمي بآجرة فأصابته في وجهه فأرعش لها, ودمي وجهه, فلما وجد سخونة الدم يسيل على وجهه ولحيته قال:"

فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما [1] .

وقاتلهم قتالًا شديدًا, فتعاونوا عليه فقتلوه، وكان ذلك يوم الثلاثاء من جمادى الآخرة، سنة 73 هـ، وله 73 سنة [2] , وتولى قتله رجل من مراد, وحمل رأسه إلى الحجاج, وسار الحجاج وطارق بن عمرو حتى وقفا عليه, فقال طارق: ما ولدت النساء أذكر من هذا.

فقال الحجاج: أتمدح مخالف أمير المؤمنين؟ قال: نعم هو أعذر لنا, ولولا هذا لما كان لنا عذر, إنا محاصروه منذ سبعة أشهر وهو في غير جند ولا حصن ولا منعة فينتصف منا, بل يفضل علينا, فبلغ كلامهما عبد الملك فصوّب طارقًا [3] .

وصلب الحجاج الأثيم جثمانَ عبد الله بن الزبير فلما علقه ظهرت منه رائحة المسك [4] , وقد ذكر أن ابن الزبير في يوم استشهاده قال: ما أُراني اليوم إلا مقتولًا, لقد رأيت في ليلتي كأن السماء فرجت لي, فدخلتها, فقد -والله- مللت الحياة وما فيها [5] .ولما قتل عبد الله خرجت إليه أمه حتى وقفت عليه, وهي على دابة, فأقبل الحجاج في أصحابه فسأل عنها فأخبر بها, فأقبل حتى وقف عليها فقال: كيف رأيت نصر الله الحق وأظهره؟ قالت: ربما أُديل الباطل على الحق, وإنك بين فرشها والجيّة, فقال: إن ابنك ألحد في هذا البيت, وقد قال الله تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج:25] وقد أذاقه الله ذلك العذاب الأليم, قالت: كذبت, كان أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة, وسُرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم, وحنكه بيده، وكبر المسلمون يومئذ حتى ارتجت المدينة فرحًا به, وقد فرِحتَ أنت وأصحابك بمقتله, فمن كان فرح يومئذ

(1) تاريخ الطبري (7/ 79) .

(2) المصدر نفسه (3/ 73) .

(3) المصدر نفسه (3/ 73) .

(4) المصدر نفسه (3/ 73) .

(5) سير أعلام النبلاء (3/ 378) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت