الصفحة 27 من 81

اللهم قد سلمته لأمرك فيه, ورضيت بما قضيت فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين [1] , فتناول يديها ليقبلها، فقالت: هذا وداع فلا تبعد.

فقال لها: جئت مودعًا لأني أرى هذا آخر أيامي من الدنيا.

قالت: امض على بصيرتك وادن مني حتى أودّعك.

فدنا منها فعانقها وقبلها فوقعت يدها على الدرع.

فقالت: ما هذا صنيع من يريد ما تريد.

فقال: ما لبسته إلا لأشد منك.

قالت: فإنه لا يشد مني, فنزعها ثم أدرج كميه, وشد أسفل قميصه, وجبة خز تحت القميص, فأدخل أسفلها في المنطقة, وأمه تقول:

البس ثيابك مشمرة, ثم انصرف ابن الزبير وهو يقول:

إني إذا أعرف يومي أصبر ... وإنما يعرف يومه الحُر

فسمعت والدته قوله فقالت: تصبر والله إن شاء الله, أبوك أبو بكر والزبير, وأمك صفية بنت عبد المطلب [2] .

إنّ الثبات على المبدأ -وإن كان يعارض مصالح الشخص, ويعرضها للخطر- يعتبر من أنبل الصفات, وقد تأصلت هذه الصفة في ابن الزبير, فما وهن وما ضعف وما استكان في سبيل المبادئ التي نادى من أجلها, ففي آخر يوم من حياته صلى ركعتي الفجر ثم تقدم وأقام المؤذن فصلى بأصحابه فقرأ: {ن وَالْقَلَمِ} حرفًا حرفًا, ثم سلم فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم خطب خطبة بليغة جاء فيها:"... فلا يرعكم وقع السيوف فإني لم أحضر موطنًا قط إلا ارتثثت فيه من القتل, وما أجد من أدواء جراحها أشد مما أجد من ألم وقعها. صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم, لا أعلم أمرأ كسر سيفه, واستبقى نفسه, فإن الرجل إذا ذهب سلاحه فهو كالمرأة أعزل, غضوا أبصاركم عن البارقة, وليشغل كل امرئ قرنه, ولا يلهينكم السؤال عني, ولا تقولن: أين عبد الله ابن الزبير؟ ألا من كان سائلًا عني فإني في الرعيل الأول."

أبي لابن سلمى أنه غير خالد ... ملاقي المنايا أي صرف تيممًا

(1) تاريخ الطبري (7/ 76) .

(2) تاريخ الطبري (7/ 77) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت