طريق الأحرار، فبعد انتهاء موسم الحج نادى الحجاج في الناس أن يعودوا إلى بلادهم لأنه سيعود إلى ضرب البيت بالحجارة [1] , وبالفعل بدأ يضرب الكعبة, وشدّد على ابن الزبير, وتحرّج موقفه وانفضّ عنه معظم أصحابه, ومنهم ابناه حمزة وخبيب, اللذان ذهبا إلى الحجّاج وأخذا منه الأمان لنفسيهما [2] .
فلما رأى عبد الله ذلك دخل على أمّه فقال لها:
يا أمه, خذلني الناس حتى ولديّ وأهلي, فلم يبق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة, والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا, فما رأيك؟
فقالت أسماء:"أنت -والله- يا بني أعلم بنفسك, إن كنت تعلم أنك على الحق وإليه تدعو فامض له, فقد قتل عليه أصحابك, ولا تمكّن من رقبتك يتلعب بها غلمان بني أمية, وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت, أهلكت نفسك, وأهلكت من قتل معك, وإن قلت: كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت, فهذا ليس من فعل الأحرار ولا أهل الدين, وكم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن".
فدنا ابن الزبير فقبّل رأسها وقال: هذا -والله- رأيي, والذي قمت به داعيًا، إلى يومي هذا ما ركنت إلى الدنيا, ولا أحببت الحياة فيها, وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمه, ولكني أحببت أن أعلم رأيك, فزدتني بصيرة مع بصيرتي, فانظري يا أمه فإني مقتول من يومي هذا, فلا يشتد حزنك وسلمي الأمر لله, فإن ابنك لم يتعمد منكرًا, ولا عملًا بفاحشة, ولم يجر في حكم الله, ولم يغدر في أمان, ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد, ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به بل أنكرته, ولم يكن شيء آثر عندي من رضا ربي, اللهم إني لا أقول هذا تزكية مني لنفسي, أنت أعلم بي, ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلو عني.
فقالت أمه: إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنًا إن تقدمتني, وإن تقدمتك ففي نفسي, اخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك.
قال: جزاك الله يا أمه خيرًا, فلا تدعي الدعاء لي قبل وبعد.
فقالت: لا أدعه أبدًا, فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق, ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل, وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة, وبره بأبيه وبي,
(1) الكامل في التاريخ (3/ 69) .
(2) نفسه (3/ 70) .