(5) أمّ الإمام محمد بن إدريس الشافعي
رحمهم الله
لا يخفى فضل الإمام الذي تتناوله السطور التالية بالحديث، فقد كان رحمه الله كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن كما أخبر بذلك تلميذه الأثير العالم الموسوعي أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى [1] ، وكيف يخفى وهو الحجّة في العلم كلّه، وما من صاحب فنّ إلا ويعرف له قدره؟ فهو حجّة في التفسير والحديث وعلومهما، حجّة في الفقه والأصول وسائر العلوم الشرعيّة، حجّة في اللغة أدبًا ونحوًا وبلاغة وشعرًا وغيرها، حجّة في سائر العلوم التي ظهرت في عصره، كما شهد بذلك تلميذه العالم الرحّالة إسحاق بن راهوية، وقال: ما ظننت أن الله خلق مثل هذا، والله لم تر عيناي مثله [2] .
فلا عجب عدّه العلماء مجدّد الدين في القرن الثاني الهجري، وهذا حقّه رحمه الله وأجزل له المثوبة، ونضيف على ذلك أنّه كان مؤسس علوم عظيمة بنيت وشيدت على أصول بيّنها هو ووضعها.
هذا الإمام هو محمد بن إدريس الشافعي الذي لا تخفى مناقبه ولا تغيب فضائله.
وقد شاء الله أن ينشأ الإمام الشافعي يتيمًا، فلم تمض على ولادته غير سنتين حتى توفّي أبوه، وبقي في كفالة أمّه التي ما انفكّت تسعى جاهدة في تربيته وتعليمه بهمّة ترى كبريات الأمور صغارًا، وقد نذرت الأم العاقلة ابنها للعلم تجوب به البلدان وتقدمه إلى الشيوخ وتلتمس له مكانًا في الحلقات، حتى صار الشافعي هو الشافعي الذي ملأ طباق الدنيا علمًا، ولنتبع أثرهما من مسقط رأس الشافعي لنر ماذا فعلا، وماذا حصلا، وإلى أين وصلا؟
ولد الشافعي رحمه الله في غزة [3] ، وكان هذا في عام 150 هـ، وكان أبو الشافعي من أهل المدينة فحدث فيها بعض ما يكره فخرج إلى عسقلان، ولما توفي أبوه وعمره سنتان انتقلت به تلك الأمُّ الفاضلة العاقلة إلى مكة، ولماذا مكة؟
(1) منازل الأئمة الأربعة (222) .
(2) آداب الشافعي ومناقبه (31) .
(3) انظر: توالي التأسيس، (51،52) ، ومنازل الأئمة الأربعة، (201) .