الصفحة 47 من 81

ذكروا أنها خافت على نسبه المطّلبي القرشيّ الضيعة بين اليمنيين الذين يمثّلون أصول أهل عسقلان فآوته إلى حيث يصان ولا يضام وكانت أولى البلاد بذلك أم القرى مكة، وأيضًا مكة يومئذ أرض العلم ومهبط العلماء، فبها وفرة التابعين وآثار الصحابة الباقية وعلومهم الخالدة.

وثمة رؤيا رأتها أمّه أثناء حملها به - فيما يذكرون - تبشّر بمستقبل له في مكة [1] ، فلعلّ ذلك إن صحّ يكون سببًا ثالثًا.

وقد ألزمته أمّه حفظَ القرآن الكريم فأتمه وهو ابن سبع سنين، ثم أقبل على معين السنّة ينهل منها فحفظ الموطأ وهو ابن عشر سنين، ثم أخذ يطلب العلم في مكة حتى أُذن له بالفتيا وهو دون عشرين سنة [2] .

ذلك شيء مما ينوّه بفضل تلك الأمّ العظيمة، عرفت الطريق الصحيحة ووضعت ابنها عليها، وألزمته سلوكها، وقد دلّها على ذلك فضل عقل لديها وحكمة، ولعلها كانت ألمّت بشيء من العلم الذي لم يكن نساء ذلك الزمان يخلون منه، ويؤيد ذلك ما ذكر من أنها شهدت عند قاضي مكة في قضيّة هي وامرأة أخرى، فأراد القاضي أن يفرق بينهما -امتحانًا- فقالت له أمّ الشافعي: ليس لك ذلك؛ لأن الله تعالى قال: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة 282] فسكت القاضي [3] .

وهذا يدل على فضل عقل وعلم.

قال التاج السبكي بعد نقل هذه الحكاية: وهذا فرع حسن واستنباط جيد ومنزع غريب، والمعروف في مذهب ولدها رضي الله تعالى عنهما إطلاق القول بأن الحاكم إذا ارتاب بالشهود استحب له التفريق بينهم، وكلامها رضي الله تعالى عنها صريح في استثناء النساء للمنزع الذي ذكرته، ولا بأس به [4] ، قال: وكانت أم الشافعي باتفاق النقلة من القانتات العابدات، ومن أذكى الخلق فطرة، ثم ذكر الحكاية [5] .

(1) انظر: تهذيب التهذيب (9/ 26) .

(2) انظر: آداب الشافعي ومناقبه (31) .

(3) انظر: إعلاء السنن (15/ 308) .

(4) انظر: الطبقات (1/ 285) .

(5) انظر: الطبقات (1/ 285) ، وذكرها الحافظ في الفتح أيضًا عن الشافعي عن أمه: (5/ 196) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت