وقد هداها ذلك إلى وضع ولدها في الطريق الصحيح، تؤمّل له مستقبلًا مزهرًا، وقد كان لها ما أمّلت، وفوق ما أمّلت.
حملت الشافعي أمه وهو ابن سنتين وأتت به مكة تعرّف أهله به، وكانت تتردد عليهم بعد ذلك تعرّفه بهم وتصل ودّهم وتراوح لأجل ذلك بين مكة وعسقلان، حتى إذا بلغ الشافعي عشر سنين جهزته وأرسلته إلى مكة، ليكون عند أهله ويطلب العلم في بلد ذويه وذلك بعد ما بلغ من العلوم شأوًا.
وقد نشأ الشافعي رحمه الله فقيرًا، فقد كان أبوه قليل ذات اليد [1] ، ومات ولم يترك لهم شيئًا ذا بال، حتى إنّ الشافعي حفظ القرآن في الكُتّاب لا يعطي معلّمه أجرًا على تحفيظه، فاكتفى منه المعلّم بعمل العريف؛ ينوب عن المعلّم على الصبيان إذا قام لغداء أو راحة أو نحوهما، وبعد ذلك لما جلس في حلق أهل العلم كان يذهب إلى ديوان الإمارة يستوهب الموظفين الأوراق التي هم في غنى عنها ليكتب على ظهورها ما يتلقاه في حلقات العلم من دروس.
قال الحميدي، قال محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله: وهو يحكي شيئًا من ذلك فيقول:"كنت يتيمًا في حجر أمي فدفعتني في الكتاب، ولم يكن عندها ما تعطي المعلم، فكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، فلما ختمت القرآن دخلت المسجد فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع الحديث أو المسألة فأحفظها، ولم يكن عند أمي ما تعطيني أن أشتري به قراطيس قط، فكنت إذا رأيت عظمًا يلوح آخذه فأكتب فيه، فإذا امتلأ طرحته في جرة كانت لنا قديمة، قال: ثم قدم والٍ على اليمن فكلّمه لي بعض القرشيين أن أصحبه، ولم يكن عند أمّي ما تعطيني أتحمّل به، فرهنت دارها بستة عشر دينارًا، فأعطتني فتحملت بها معه، فلما قدمنا اليمن استعملني على عمل فحمدت فيه، فزادني عملًا فحمدت فيه، فزادني عملًا وقدم العمّار مكة في رجب فأثنوا عليّ، فطار لي بذلك ذكر، فقدمت من اليمن، فلقيت ابنَ أبي يحيى، فسلمت عليه فوبخني، وقال: تجالسونا وتصنعون وتصنعون، فإذا شرع لأحدكم شيء دخل فيه، أو نحو هذا من الكلام، قال: فتركته، ثم لقيت سفيان بن عيينة، فسلمت"
(1) توالي التأسيس (49) .