لقد ارتكب يزيد خطأ فادحًا عندما أقسم أن يأتيه ابن الزبير إلى دمشق في جامعة تغل رقبته، فكيف يعقل من صحابي جليل تجاوز الستين من عمره، عرف طيلة حياته بالعزة والإباء أن يرضخ لهذا الطلب [1] .
وقد رفض ابن الزبير هذا الطلب بالعزة التي أورثتها إياها أمه أسماء، وبمشورتها في خصوصها أخذ وعليها مضى.
وقد مات يزيد بعد هذا بقليل، ولما يحسم الأمر، وبوفاة يزيد سنة 64 هـ، انسحب جيش الحصين من حصاره لابن الزبير في مكة، ودعا عبد الله بن الزبير إلى نفسه، فبايعه أهل الحجاز، وبدأت البلاد في البيعة له، فدعا له النعمان بن بشير بحمص، وزفر بن الحارث الكلابي بقنسرين، والضحاك بن قيس بدمشق، وأتته بيعة الكوفة والبصرة وخراسان واليمن ومعظم الشام.
وبعث ابن الزبير عماله، فولّى أخاه مصعبًا المدينة، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة البصرة، وعبد الله بن مطيع الكوفة، وعبد الرحمن بن عتبة بن جحدم الفهري مصر، والضحاك بن قيس الشام، كما بعث ولاة لليمن وخراسان.
ولهذا الاجتماع على بيعته رضي الله عنه من معظم الأمصار عدّه مالك وابن عبد البر وابن حزم وابن كثير والذهبي الخليفة الشرعي للمسلمين بعد وفاة يزيد.
ولم يكن بقي من بلاد الإسلام إلا بعض أجزاء من الشام فقد بايعت لمعاوية بن يزيد وسرعان ما تنازل الرجل الكبير القدر الصغير السنّ عن هذه البيعة وترك الأمر تحسمه الشورى، فأحسن، ولو أنّه أتمّ إحسانه ذاك فتنازل لابن الزبير لكان قد جمع كلمة المسلمين ولم يتركها بعد ذلك لخصام وانقسام جديدين، لكنه فعل ما استطاع، وعلى إثر ذلك بايعت بعض القيادات الشامية ابن الزبير ورفضت بعضها وبايعت مروان بن الحكم، وعقد مروان البيعة لولده عبد الملك من بعده، وهو ما كان، فبعد وفاة مروان تولى ابنه عبد الملك، وبدأ الدفع مرة ثانية بين الشاميين والحجازيين.
برز دور أسماء في حياة ابن الزبير رضي الله عنهم أجمعين مرة أخيرة، وذلك بعد هذه الحادثة بقريب من 17 عامًا، أثناء حصار ابن الزبير من قبل جيش عبد الملك بن مروان بقيادة الظلوم الغشوم الحجاج بن يوسف الثقفي فقد كانت أسماء بنت الصديق هناك ترسم لابنها
(1) الموفقيات للزبير بن بكار (152) ، نقلًا عن مواقف المعارضة (531) ، بتصرف.