تتقدم الكلمات نحو أخبار هذه الأمّ العظيمة وولدها في تواضع وحياء شديدين، ذلك أنّ ظلال ورعهم وزهدهم تلقى على المتأمّل في حياتهما فتكسوه رهبة وتعلوه هيبة يليقان بالمقام الذي تبوّءاه خلال التاريخ.
كان سفيان فقيهًا صاحب رؤية ومحدثًا صاحب سنّة، وقد بلغ القمّة في هذين المجالين كليهما، فقد صار رأس مذهب فقهيّ عرف بالمذهب الثوري أو مذهب سفيان، وكان له أصحاب وأتباع يتمذهبون به ويرون رأيه ويتديّنون به، وظلّ ذلك مشهورًا إلى قريب من القرن الثامن الهجري، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وأما الأئمة المذكورون فمن سادات أئمة الاسلام فإن الثوري إمام أهل العراق، وهو عند أكثرهم أجل من أقرانه كابن أبى ليلى والحسن بن صالح بن حي وأبى حنيفة وغيره، وله مذهب باقٍ إلى اليوم بأرض خراسان" [1] .
ومعنى ذلك أن مذهب سفيان قد عاش ستة قرون، بل ربما يزيد كما سيأتي، فقد دوّنت مسائله، وأوّل من دوّنها صاحب المذهب سفيان نفسه، وضع فيه كتابًا سمّاه: الجامع، وعرف بعده بجامع الثوري، ويظهر أنهما اثنان، لا واحد، جامع صغير وجامع كبير، ويظهر كذلك أن أحدهما خاص بالآثار والثاني مختلط فيه الرأي بالآثار، وهذا الأخير هو الذي عابه أحمد فقد كان يرى تجريد الآثار عن الرأي، وهو ما عابه أيضًا على موطّأ مالك، ولأحمد في هذا مذهب شديد معروف عنه.
وللباحث رياض حسين عبد اللطيف كتاب بعنوان:"جامع سفيان الثوري .. منزلته ـ معالمه ـ رواياته"نشر في الدار الأثرية بعمّان.
وقد صنّف العلماء كتبًا على مذهب سفيان عرفت وتداولها النّاس، واطلع عليها العلماء وظلّت متوفرة مشهورة حتى عصر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، كما يظهر من قوله في الفتح:"وما حكيناه عَن الثوري، حكاه أصحابه عَنْهُ فِي كتبهم المصنفة عَلَى مذهبه" [2] ، وقال في موضع آخر:"وكذلك نقل أصحاب سفيان مذهبه في تصانيفهم، وحكوا أنّ سفيان ذكر أن الناس أجمعوا على ذلك" [3] .
بقي مذهب سفيان إلى هذا الوقت إذن، وربما بعده، فأفاد منه العلماء والفقهاء ودوّنوا مسائله في كتبهم.
(1) مجموع الفتاوى (23/ 224) .
(2) فتح الباري لابن رجب (6/ 114) .
(3) فتح الباري لابن رجب (2/ 280) .