الصفحة 44 من 81

ومن عجيب ما قرأت أنّ الإمام مالك رحمه الله لم يكن في بداية أمره على طريق العلم، بل كان أبعد ما يكون عنه، فقد كان يحبّ أن يكون مغنيًا، و يرجع الفضل إلى أمه في سلوكه طريق العلم والبعد عن طريق الانحراف والغناء هذا، وهو يحدثنا في هذا الخصوص فيقول:"نشأتُ وأنا غلام، فأعجبني الأخذ عن المغنين، فقالت أمي: يا بني، إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يُلتَفَت إلى غنائه؛ فدع الغناء واطلب الفقه."

فتركت المغنين وتبعت الفقهاء، فبلغ الله بي ما ترى" [1] ."

فهذه الأم الفاضلة العاقلة لم تكذب على ولدها وتقول له: إنه قبيح الوجه؛ إذ لم يكن مالك كذلك، بل كان وسيمًا ذا شقرة، وإنما هي أرادت أن توحي إليه بما يصرفه عن عزمه، فقالت قولتها تلك اللبقة المهذبة [2] .

وربما انشغل في مطلع حياته عن العلم باللهو في تربية الحمام، فيسمع كلمة تقرع أذنه وتلهب قلبه فيسارع إلى مجالسة العلماء ويلزم بعدها الفقهاء، وهو يذكر لنا شيئًا من ذلك فيقول: كان لي أخ في سنّ ابن شهاب، فألقى أبي يومًا علينا مسألة، فأصاب أخي وأخطأت، فقال لي أبي:"ألهتك الحمام عن طلب العلم!"فغضبت، وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين -وفي رواية: ثماني سنين- لم أخلطه بغيره، وكنت أجعل في كمي تمرًا، وأناوله صبيانًا وأقول لهم:"إن سألكم أحدٌ عن الشيخ فقولوا: مشغول" [3] .

يعمل الحيلة حتى يظفر بالشيخ أكبر قدر ممكن من الوقت، وهذا من حرصه على الطلب، وبلغ من حرصه أيضًا على العلم أنه كان يمشي بعد الدرس يتبع ظلال الأشجار، ليستعيد ما تلقى ويستحفظه حتى عرف عنه ذلك، فقد رأته أخته على هذه الحالة فذكرته لأبيها فقال لها:"يا بنية، إنّه يحفظ أحاديث رسول الله" [4] ، وظلّ ذلك دأبه رحمه الله حتى صار إلى ما صار إليه.

بذلك ابتدأ الصبي الصغير مالك بن أنس مسيرته الطويلة في طريق العلم حتى صار إمامًا فذًّا من أئمة المسلمين، فيكون أثمن عطية، وأغلى هدية، من أمّ فاضلة تجيد التربية وتحسن

(1) سرح العيون (181) ، انظر: الأئمة الأربعة للشكعة (6، 7) .

(2) الأئمة الأربعة للشكعة (7) .

(3) المدارك (1/ 120) .

(4) انظر: تخريج أحاديث المدونة (62) ، الطاهر محمد الدرديري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت