لجاريته: انظري مَن في الباب، فنظرت، فسمعتها تقول: مولاك الأشقر مالك، قال: أدخليه، فدخلت، فقال: ما أراك انصرفت بعد إلى منزلك! قلت: لا، قال: هل أكلت شيئا، قلت: لا، قال: اطعم، قلت: لا حاجة لي فيه، قال: فما تريد؟ قلت: تحدثني، قال لي: هات، فأخرجت ألواحي فحدثني بأربعين حديثًا، فقلت: زدني، قال: حسبك إن كنت رويت هذه الأحاديث فأنت من الحفاظ، قلت: قد رويتها، فجبذ الألواح من يدي ثم قال: حَدِّث، فحدثته بها، فردها إلي وقال: قم فأنت من أوعية العلم [1] .
لقد كان بإمكان الأم الكبيرة الكريمة أن تطلب إلى مالك الانقطاع عن العلم فقد كلّف في سبيله فوق الطاقة، أو لعلها تطلب إليه أن ينقطع لفترة من الزمان قصيرة يستطيع أن يسد بالعمل أثناءها خلته ويقضي حاجته ويتنفّس نفسًا يستطيع به أن يكمل غايته ويتمّ مسيرته!
لكنها لم تفعل، لم تفعل ولو اقتضى الأمر بيع سقف البيت أو حوائطه، أو بيع البيت كلّه، كما فعلت أم تلميذه الشافعي، وكلتاهما أزديّة يمنيّة.
لقد فرّغت ولدها ليجمع علم الناس جميعًا، فاجتمع له وصارت الإمامة إليه، وضرب الناس آباط المطي إليه من كلّ مكان في الدنيا، يتمنّون عليه بذل بعض هذا العلم لهم، لقد"كان إمام الناس بعد عمر بن الخطاب زيد بن ثابت، وبعد زيد عبد الله بن عمر، وأخذ عن زيد واحد وعشرون رجلًا، ثم صار علم هؤلاء جميعًا إلى ثلاثة: ابن شهاب، وبكير بن عبد الله، وأبي الزناد، وصار علم هؤلاء كلهم إلى مالك بن أنس [2] ."
ولك أن تعلم بأن مالكًا استجمع الآثار وحوى فقهها، وجلس للفتيا في المسجد النبوي بإذن شيوخه وهو ابن سبع عشرة سنة، وقد قال عن ذلك:"ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس، حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل، فإن رأوه لذلك أهلًا جلس، وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخًا من أهل العلم أني موضع لذلك" [3] .
لقد كان مالك بن أنس أحد الذين غيروا وجه العالم، وكان لأمّه النصيب الأكبر في تربيته، وهي بذلك قد أسدت إلى الأمة جميلًا طوّقت به رقاب أفرادها جميعًا، إن في جانب السنة أو في جانب الفقه.
(1) المدارك (1/ 122) .
(2) المدارك (1/ 68) .
(3) المدارك (1/ 127) .