وينبغي أن تعتني الأمّ المؤمنة بعمل مثل ذلك، توصي ابنها، وتحرص على إرشاده في سيره، وأن تتجهّز لذلك بالعلم والتخطيط من قبل مجيئه، وتتأهل بالفهم والتدريب قبل حلوله، فإذا أهل هلاله وجاء أوانه وجد فيها خير معين له على طريقه علمًا وعملًا وفهمًا ونصحًا.
ذلك لمن أرادت أن تكون شيئًا مذكورًا وأن ترث غدًا جنّة ونعيمًا مقيمًا، فتؤدي حق ربها نحو أمتها في ولدها وفي أسرتها.
لقد أدركت مالكًا رحمه الله في أيّام الطلب شدائد ووقفت دون غايته عقبات وعراقيل، منها الحاجة والفقر لضيق ذات اليد، وأمام هذا الضنك هل وقفت أم مالك عاجزة؟ كلا لقد كانت تساند مالكًا بكل شيء، حتى لقد اضطر إلى بيع قوام داره، فما أبت ولا مانعت، وتمّ ذلك فعلًا، قال ابن القاسم:"أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه" [1] .
ومالك يومئذ متوفّر على الطلب يغشى المجالس ليل نهار، إن شئت رأيته عند ابن هرمز يأخذ عنه اختلاف الناس، والرد على أهل الأهواء، ويقبس من هديه وسمته، وقد مكث عنده سبع سنين في ذلك، حتى قال ابن هرمز يومًا لجاريته:"من بالباب؟"، فلم تر إلا مالكًا، فرجعت فقالت:"ما ثم إلا ذاك الأشقر"، فقال:"ادعيه فذلك عالم الناس"، وكان مالك قد اتخذ تيانًا محشوًا للجلوس على باب ابن هرمز، يتقي به برد حجر هناك.
وكان يقول: وكنت آتي ابن هرمز بكرة فما أخرج من بيته حتى الليل [2] .
وإن شئت رصدته ملازمًا لنافع مولى ابن عمر يأتيه نصف النهار وما تظله الشجرة من الشمس، يتَحَيَّنُ خروجَه، فإذا خرج يدَعُهُ ساعة كأنه لم يره، ثم يتعرض له فيسلم عليه ويدعه، حتى إذا دخل يقول له مالك: كيف قال ابن عمر في كذا وكذا؟ فيجيبه نافع، ثم يحبس عنه مالك بعد هذا القدر من الأسئلة، فقد كان في نافع حدّة [3] ، يتحايل مالك بهذه الحيل ليحصّل علم شيخه بغير أن يثير حفيظته.
وإن شئت رأيته في مجلس ربيعة أو ابن شهاب الزهري الذي لازمه مالك حتى ظنّ أقرب الناس إلى الزهري أنه مملوكه ورقيقه، روي عن مالك أنه قال:"شهدت العيد، فقلت: هذا يوم يخلو فيه ابن شهاب، فانصرفت من المصلى حتى جلست على بابه، فسمعته يقول"
(1) الديباج المذهب (62) .
(2) المدارك (1/ 120) ، والطبقات الكبرى (5/ 466) ،.
(3) الديباج المذهب (117) .