ينتهي نسب الإمام مالك إلى قبيلة يمنية هي قبيلة"ذو أصبح"، وأمه أزدية، فأبوه وأمه عربيان يمنيان [1] .
وإذا كانت"الحكمة يمانيّة" [2] ، فإن أمّ مالك قد أوتيت منها نصيبًا كبيرًا، وهذا ما يتضح بجلاء في مقالتها التي معنا.
أشرنا فيما سبق إلى ما تضمّنته هذه المقالة من اهتمام أمّ مالك بمظهر ابنها، طالب العلم الجديد الذي سيخرج الآن يغشى المجالس، ويكتب العلم الشريف، ولم تقتصر في وصاياها له على ذلك بل ضمّنتها الوصية بالآداب والأخلاق التي يجب أن يتأدب بها في مجلسه، فينبغي بعد أن أخذ الأهبة أن يسارع إلى المجلس ولا يتأخر عنه، وأن يحدد هدفه من بيته فيعلم إلى أين يقصد وماذا يريد، وذلك كله واضح في كلامها وضوح الشمس، فإذا جلس في مجلس شيخه فعليه أن لا ينشغل بغير الفائدة، ثم هي تجلّي له حقيقة تلك الفائدة فتقول:"اذهب إلى ربيعة فتعلّم من أدبه قبل علمه".
إنها تطالبه أن يضع نصب عينه أن هدفه من مجلس شيخه أمران:
1)العلم
2)الأدب.
فينبغي أن يحرص عليهما تمام الحرص، ويهتمّ بما يجعله يحصّل ذلك تمام التحصيل، من تبكير، واقتراب، وفراغ بال، وإنصات، وانتباه ويقظة، وأن يسجل عن شيخه معارفه ومعلوماته، ويدوّن عنه كلامه وحاله، وأن لا ينشغل بشيء في مجلسه عن هدفيه هذين لأي سبب من الأسباب، إلى آخر ما يلزم لذلك التحصيل من أدوات.
ثم هي تنبّهه إلى أنّ هذين الأمرين المقصودين - العلم والأدب - ليسا سواء، فأحدهما يتقدّم على صاحبه ويشرف عليه وينبل، وهو الأدب بلا ريب، لأنه الغاية والثمرة المرجوّة من العلم، فإذا كان من المقرّر على مالك أن يحصل علم الشيخ من خلال لفظه، فعليه أن يعتني أكثر من ذلك بتحصيل أدب الشيخ من خلال لحظه، فلأجل الأدب يطلب العلم.
ووصيّة أم مالك بعد ذلك كلّه تحتمل من الفوائد ما لا يخفى على متأمّل أعطاها أذنًا صاغية وقلبًا واعيًا.
(1) انظر: مالك حياته وعصره - آراؤه وفقهه، (27 - 28) ، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي.
(2) متفق عليه، رواه البخاري (4388) ومسلم (52) عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.