الصفحة 40 من 81

عمرو بن دينار؟ فقال: رأيته يحدث والناس قيام يكتبون، فكرهت أن أكتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قائم" [1] ."

لقد مضى مالك على سنّة أمّه التي سنّتها له يوم خرج للعلم يطلبه صغيرًا، فظلت تلك حاله حتى وهو يبذل العلم كبيرًا، قال مطرف، قال مالك:"قلت لأمي: أذهب فأكتب العلم؟ فقالت: تعالَ فالبس ثياب العلم."

فألبستني ثيابًا مشمرة، ووضعت الطويلة على رأسي، وعممتني فوقها.

ثم قالت: اذهب فاكتب الآن"."

هل وعيتن الدرس يا أمّهات محمد، وأنس، ومعاذ، وعليّ، ورضوان، وزيد، وأحمد؟!

وعيتن أنّ نشأكم على ما نشأتموه عليه، وأن صغيركم يشبّ على ما شاب عليه؟ وأنّ المحاسن تغرس غرسًا وخير غراسها في الصغر؟

وأنتنّ على ذكر بمن هو مالك؟ وما هي مكانته؟ وما مقدار نفعه لأمة محمد صلى الله عليه وسلّم؟ وما عدد أتباعه والمتديّنين بفقهه في طول الزمان وعرضه؟ مما يرجى معه أن يكون من أكثر النّاس تابعًا ثمّ حسنات يوم القيامة، ومثل ذلك يكون في ميزان أبيه وأمه؟ فمن تلك العاقلة التي تحرص على تحصيل مثل هذا الأجر العظيم بتربية أبنائها على مثل ما ربّت عليه أم مالك مالكًا؟

إنها لغفلة شديدة من الأم المسلمة أن تفرّط في هذا الأجر العظيم، إذا أتيحت لها الفرصة مرة وربما مرات، بعدد الأبناء والبنات اللاتي تربين هنّ الأخريات على ذلك فيربين أبناءهن عليه أيضًا.

"تعالَ فالبس ثياب العلم"، هكذا بيقين تعرف العالية بنت شريك الأزدية -وهذا هو اسم أم مالك- العلم، وثيابه، وما ينبغي لمن رامه من لباس وزينة ومظهر ووقار.

وكيف لا، ووالد مالك وأعمامه وجدّه كانوا من العلماء المحدّثين، حملة سنّة خير النبيين صلى الله عليه وآله وسلّم، فجدُّهُ مالك بن أبي عامر من كبار التابعين، وهو ممن رووا عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وفي مقدّمتهم عمر وعثمان وطلحة وعائشة، وكذلك كان أبوه، وإن لم يكن في منزلة جدّه من الحديث، فالأسرة - إذن - أهل علم وسنة [2] .

(1) المدارك (1/ 123) .

(2) مالك بن أنس، (26 - 27) عبد الغني الدقر، بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت