وإذ تجهّزت أمّ مالك بخطّة مالك في الطلب فقد بقي أن تجهّز مالكًا نفسه لما تريده له وما يريده هو أيضًا لنفسه:
فتعمد إلى شكله الظاهر وهو أوّل ما يقع عليه منه نظر معلّمه وأترابه والنّاس، فيهشّ له المعلّم إذا رآه، ويفرح إخوانه بالجلوس إلى جواره، ويرى فيه النّاس سمت العلم والعلماء صغيرًا فتوضع له مهابة في قلوبهم ويجري له الثناء من ألسنتهم، وذلك كلّه يحفّزه للعلم ويدفعه للطلب ويعلي همته في سبيل التحصيل.
ولهذا بادرت فعمّمته بعمامة وألبسته أفضل ثيابه، وقبل ذلك لا شكّ غسّلته ووضّأته ورجّلته وطيّبته.
ولقد ظلّت تلك عادة مالك رحمه الله بعد ذلك في جميع حياته، فكان إذا أراد أن يخرج ليحدث الناس, توضأ وضوءَه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، ولبس قلنسوةً، ومشط لحيته، فقيل له في ذلك, فقال:"أوقِّر به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم" [1] ، وفي وصفٍ آخر لحاله يقول أحد الرواة:"كان مالك بن أنس: إذا أراد أن يجلس للحديث؛ اغتسل، وتبخَّر، وتطيَّب، فإن رفع أحد صوته في مجلسه زجره" [2] .
كان مالك يُعنى بلباسه عنايةً تامةً، ويَرى في ذلك إعظامَ العلم ورفعةَ العالم، ويرى أن من مروءة العالم أن يختار الثوبَ الحسنَ يرتديه ويظهر به، وأنه ينبغي ألا تراه العيون إلا بكامل اللباس حتى العمامة الجيدة، وقد كان مالك يلبس أجود اللباس وأغلاه وأجمله، قال الزبيري: كان مالك يلبس الثياب العدنية الجياد، والخراسانية والمصرية المرتفعة البِيض، ويتطيب بطيب جيد، ويقول:"ما أُحب لأحد أنعم الله عليه إلا أن يُرى أثرُ نعمته عليه". ويقول أيضًا:"أحب للقارئ أن يكون أبيض الثياب" [3] .
وقد أورث مالكًا ذلك التحفّظُ والتوقيرُ للعلم تعظيمًا شديدًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أفضل العلم بعد القرآن الكريم، فكان لا يكتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غيره وهو قائم، ولا يحدث به غيره وهو قائم، وسئل مرة:"أسمعت عن"
(1) تهذيب الأسماء واللغات (2/ 80) .
(2) تذهيب تهذيب الكمال (8/ 354) .
(3) الديباج المذهب (60) .