وقد استعاذ العلماء المخلصون من أن يكونوا جسرًا يعبر الخلق عليه إلى الجنّة ويلقى به في النار، وذلك يكون حين يعظونهم بما لا يفعلونه هم، فينتفع الناس ويحرمون هم، وينجوا الناس ويهلكون هم.
تلك أمٌّ عالمة صالحة ورعة، ولهذا جازاها الله في غرسها وزرعها جزاء حسنًا فكانت ثمرته بل ثماره طيبة يانعة لا تزال تؤتي أكلها وحسناتها من يومها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
هكذا كانت الأمّ فكان سفيان.
وهكذا كان سعيها لهدفها ووضوحه لديها، واستعداداتها للتضحية في سبيله، وهكذا كانت رعايتها لهذا الهدف وتعهدها له بالمراقبة، والمناصحة، ومما قالته له ذات مرة في هذه السبيل: أي بني، إذا كتبت عشرة أحرف، فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك، فاعلم أنها تضرّك ولا تنفعك.
لا جرم تخرّج سفيان من جامعة العمل كما تخرّج من جامعة العلم، وقد ترجمه الإمام الذهبي فبدأ ترجمته بقوله عنه:"هو شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه" [1] .
وفي بعض روايات العلماء لمقولة أمه زيادة فائدة، فقد قال الإمام أحمد بن حنبل سمعت وكيعًا يقول: قالت أم سفيان لسفيان:"اذهب فاطلب العلم حتى أعولك أنا بمغزلي، فإذا كتبت عدة أحاديث فانظر هل تجد في نفسك زيادة فاتبعه، وإلا فلا تتبعني" [2] .
وإلا فلا تتبعني، يعني لا تكون منّي ولا أنا منك، ولا تنتسب إليّ وتقول: هذه أمّي، ولعمر الله هذا في وقعه من الأم على ولدها شديد، ولهذا تأثّر سفيان بهذه الكلمة في علمه وعمله، وبقيت دافعته حتى صار العمل ديدنه وطبعه وهدفه وغايته.
وفي بعضها: أن والدة سفيان قالت له: يا بني اطلب العلم وأنا أعولك بمغزلي، وإذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في الخير، فإن لم تر ذلك فلا تتعنّ [3] .
أي: لا تتعب نفسك فيما لا نفع فيه.
وهكذا ينبغي لمن زرع زرعًا أن يجوّد أصله، ويتقن غرسه، ويعرف هدفه، ويتعاهده بالعناية والرعاية، لينتظر صلاح ثمرته، ويسعد بحصاد عمله، ولا يكون كمن قيل فيه:
فرطت في الزرع وقت البذر من سفه *** فكيف عند حصاد الناس تدركه؟
(1) سير أعلام النبلاء (7/ 230) .
(2) أدب الإملاء والاستملاء، للسمعاني (109) ، دار الكتب العلمية - بيروت.
(3) سير أعلام النبلاء (7/ 230) .