الصفحة 35 من 81

ومضى سفيان يتلقى العلم عن شيوخه بل بحوره، لا يقنع منها بالأنهر الصغار، ولو لم يجد الأبحر يستكثر من الأنهر حتى يجتمع لديه منها بحر بعد بحر، فأخذ عن كلّ من يحمل علمًا أو خبرًا [1] .

وكانت كلمات أمّه في أثره تدفعه للاستكثار من العلم والمعرفة والتعب في التحصيل، وكان حالها في نفسه أوقع وأشدّ من كلماتها تلك، فما أضاع لحظة أو دونها في غير فائدة، وكان يقول: لا نزال نتعلم العلم ما وجدنا من يعلمنا [2] .

حتى صار سفيان هو سفيان.

لكنّ أمّ سفيان إذ تبعث به إلى حلق العلم آمنًا على قوت يومه، مكفيًّا طلب رزقه، لا تبعثه ليطلب العلم الذي يكاثر به القرناء ولا يجاري به الخلان ولا يصرف به وجوه النّاس إليه، لكن العلم الذي يكسبه عملًا ويرى عليه أثره، فهي إذ تقول له: اذهب فاطلب العلم حتى أعولك أنا بمغزلي، تتبع ذلك بقولها أيضًا: فإذا كتبت عدة أحاديث فانظر هل تجد في نفسك زيادة، فاتبعه، وإلا فلا تَبْتَغينَّ [3] .

إن وراءَ سعيه في الحلق أمٌّ تنتظر حصيلته فيما يسعى له، ولعله وقت هذا الحوار كان يفكّر في أوّل كلماتها تلك في جهد العلم، فإذا بها توجّهه إلى أنّ طلبها لا يعني الكمّ وإنما يعني الكيف أيضًا، فلا قيمة للكمّ دون كيف، فالمطلوب منه حينئذ ليس جهد العلم فقط، ولكن جهد العلم وجهد العمل، كليهما.

فإذا كتبت عدد أحاديث فانظر هل تجد في نفسك زيادة؟ فإن وجدت فاتبعه، وإلا فلا تَبْتَغينَّ زيادة من العلم طالما لا تجد لها زيادة في العمل، لأنها لا فائدة ترتجى منها حينئذ إلا زيادة الوزر عليك في إقامة الحجة بتركك العمل، وأيضًا من شغل الفارغين أن تعمل سقّاء تدور على النّاس بالماء وأنت عطشان لا تشرب وتظلّ هكذا دهرك حتى تلقى حتفك!

وليس من عمل العقلاء أن تكون كالحمار يحمل أسفارًا، أو أن تكون:

كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول

(1) علو الهمة (148) ، للمقدم.

(2) حلية الأولياء (6/ 363) .

(3) المدخل إلى السنن الكبرى، للبيهقي (1/ 427) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت