ويُظهر لنا ذلك الخبر أنّ بيت سفيان كان بيتًا رقيقًا، وأنّ والده كان فقيرًا، وهذا واضح في آثار أخرى، فقد سئل مرة: لماذا لم يرحل إلى الزهري؟ فأخبر بأنه لم تكن ثمة دراهم يستعين بها على الرحلة إليه، ولهذا لم يرحل إليه، وفي خبر آخر أنه رحل إلى بخارى يطلب ميراثًا عمّ له كان بها فمات، وسفيان إذ ذاك ابن ثمانية عشر عامًا.
عزم سفيان على المضيّ في طريقه لطلب العلم وفي قلبه العزيمة على إدراك العلم قبل أن يدرس وينسى فتفرّغ له كامل التفرّغ، وشدّ الله عزمه ذاك بوالدته، نعم فقد تكفلت والدته بالإنفاق عليه وقالت له: يا سفيان، اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي.
الله أكبر! اطلب العلم، لا اخرج إلى العمل ودع هذه الأوراق، إنها لا تغني عنّا الآن شيئًا، فلا تطعمنا ولا تسقينا ولا تؤوينا ولا تكفينا، أو آخرون يطلبون العلم وقت الكفاية والسعة ويفرّون وقت الشدة والضيق، كأنما ينشدون فيه التسلية والطرف، أو يبغون به التنزّه والسّمر!
اطلب العلم وأنا أكفيك، كلّ منّا فيما يحسنه، أنت في العلم وأنا في العمل.
اطلب العلم وأنا أكفيك، تكفيني وأكفيك، أنا أكفيك المؤنة وأنت تكفي أمتي فقه الكتاب والسنّة.
اطلب العلم وأنا أكفيك، لا تلتفت بقلبك عن عزمك بل امض إلى رضا ربّك، دع هذه الأمور التي تعوق فكرك وتشغل نفسك إن انشغلت بها، دعها لي، فما هي إلا وسائل، وتفرّغ أنت للمعالي والمقاصد والغايات والأهداف الكبار.
اطلب العلم وأنا أكفيك، جاهد بعلمك وأنا أجاهد بك وبقواي، ولي مثل أجرك مرتين، مرة بك حين حملتك ووضعتك وأرضعتك، ومرة حين وجهتك وكفيتك.
اطلب العلم، وأنا أكفيك بمغزلي، بمغزلي ذاك الصغير سأشق طريق الصخر لأوفّر لك ما تشق به الظلم وتكشف به عن وجوه الملح والدرر، وأسعى في الحصول على الدريهمات لترحل بها في نيل المكرمات، سأسهر الليل والنهار أغزل لتتوفر أنت على حلق الذكر بالنهار في الطلب وعلى مدوّناتك في دجى الليل تحفظ وتتأمل وتتفقه.
فيا سفيان! اطلب العلم، وأنا أكفيك بمغزلي.