والفضل، حملة أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وقد ذكرهما العلماء كابن قتيبة والمقدسي وابن حزم والحاكم والعسقلاني وغيرهم في كتبهم [1] .
وأخته كانت أمّ عمّار بن محمّد المحدّث الذي ترجمه ابن سعد في الطبقات الكبرى [2] .
وسفيان -أحد أفراد هذه الأسرة- هو سفيان.
وهكذا البيئة الصالحة الطيّبة تخرج نباتها بإذن ربها، وينشأ الناشئ فيها على ما تعوّده من الخير فيشبّ عليه ويهرم:
وينشأ ناشئ الفتيان منا *** على ماكان عوّده أبوه
وهنا حديث طويل لعلماء الإسلام في علم الاجتماع وعلم النفس وغيرهما، يراجع في مظانّه.
ولو كان لي أن أشير إلى شيء منه لأشرت إلى بعض نتائج هذه البيئة المبكّر التي يحملها هذا الخبر: قال يحيى بن أيوب العابد: حدثنا أبو المثنى قال: سمعتهم بمرو يقولون: قد جاء الثوري قد جاء الثوري، فخرجت أنظر إليه فإذا هو غلام قد بقل وجهه، قال الذهبي: كان ينوّه بذكره في صغره من أجل فرط ذكائه وحفظه وحدّث وهو شاب" [3] ."
ولهذا كان الإمام أبو إسحاق السبيعي إذا رأى سفيان الثوري مقبلًا قال: {وآتيناه الحكم صبيًّا} [4] .
في هذه البيئة ولد سفيان الثوريّ ونشأ وترعرع، ومنها تعلّم وتفقّه، وفيها تخرّج وتربّع، وكان لأمّه العالمة الفاضلة أثرٌ كبيرٌ في تنشئته وتوجيهه إلى الطريق الصحيحة في حياته تلك، وهو يحدّث بنفسه عن هذا الأثر وقتما صار إمامًا، يقول: لما أردت أن أطلب العلم قلت: يا رب! إنه لابد لي من معيشة، ورأيت العلم يدرس -أي: ينسى ويهجر- فكنت أفرّغ نفسي لطلبه، وسألت ربي الكفاية [5] .
لقد عزم سفيان فصدق العزم، ثم رأى أن لا مُعين له إلا الله فتوجّه إليه بطلبه، ثم توكّل على الله وانطلق في طريقه على ثقة من كفاية ربّه.
(1) انظر -مثلًا-: التهذيب (4/ 452) ، وترجمة الثوري في مقدمة تفسير الثوري (ص 8) .
(2) الطبقات الكبرى (6/ 258) .
(3) سير أعلام النبلاء (7/ 236) ، وبقل وجهه وأبقل: خرجت لحيته، انظر: مختار الصحاح (1/ 73) .
(4) سير أعلام النبلاء (7/ 237) .
(5) انظر: تاريخ الإسلام (4/ 383) .