وبالجملة فقد قال الإمام أبو بكر الخطيب عنه: وكان إمامًا من أئمة المسلمين، وعلمًا من أعلام الدين، مجمعًا على إمامته بحيث يستغنى عن تزكيته، مع الاتقان، والحفظ، والمعرفة، والضبط، والورع، والزهد [1] .
ويظهر لنا من ترجمة سفيان أنه نشأ بين أبويه، فقد عاش أبوه إلى سنة (127 هـ) تقريبًا، فإذا كان سفيان قد ولد في سنة (97 هـ) فيكون عمره لما توفي أبوه ثلاثين سنة تقريبًا، وقد كان والده سعيد أحد محدّثي الكوفة الثقات الذين حازوا مديح أئمة التعديل كابن معين وابن المديني والعجلي والنسائي وغيرهم، فقد أجمعوا على توثيقه وقبول روايته في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روى الحديث عن خلق كثيرين، وروى عنه خلق آخرون كان منهم ابناه المبارك وسفيان [2] .
ويفيد الإمام الذهبي بأنّ سفيان طلب العلم وهو حدَث باعتناء والده المحدث الصادق سعيد بن مسروق الثوري، ثمّ يقول: وكان والده من أصحاب الشعبي وخيثمة بن عبد الرحمن، ومن ثقات الكوفيين، وعداده في صغار التابعين، روى له الجماعة الستة في دواوينهم، وحدّث عنه أولاده سفيان الإمام وعمر ومبارك، وشعبة بن الحجاج وزائدة وأبو الأحوص وأبو عوانة وعمر بن عبيد الطنافسي وآخرون" [3] ."
وهكذا استفاد سفيان من والده وتلقّى العلم عنه وروى الحديث، وهو أوّل شيوخه ومعلّميه ومربّيه -الذين يذكر أنّ تعدادهم يفوق ست مئة شيخ-، وكانت أمّه الثانية، فقد كانت أمّ سفيان صاحبة علم وفقه، وذات زهد وورع، وقد ذكرها ابن الجوزي والمناوي في الصالحات المتورّعات من النساء [4] .
ويظهر أنّ البيت كلّه تأثّر بهذين الوالدين العالمين الفاضلين، إذ شكّلا رحمهما الله بيئة خصبة صالحة لإنتاج العلماء والأئمة، ومن ثمّ رأينا إخوة سفيان جميعًا من ذوي النباهة والذكر في طريق العلم، الذكور منهم والإناث على السواء، فأخواه: المبارك وعمر كانا من أولي العلم
(1) تاريخ بغداد (10/ 219) .
(2) انظر التهذيب (4/ 82) .
(3) سير أعلام النبلاء (7/ 230) .
(4) انظر: ترجمة الثوري في مقدمة تفسير الثوري (ص 8) ، دار الكتب العلمية، واستفدت منها في مواضع.