وهؤلاء لم يشرعوا أحكامًا مبتدَأة، وإنما استمدُّوا الأحكام الفقهية من نصوص القرآن والسنة وما نصبه الشارع من الأدلة، وما قرَّره من القواعد العامة، فاجتهدوا في الكشف عن الحكم الشرعيِّ من دلالات النصوص وتتبُّع العلل والحِكَم، والتعرف على مقاصد الشارع.
4 -وكثيرٌ من هذه الأحكام الفقهية قد بُني على غلَبة الظن، فإذا وافق اجتهادُ الفقيه حُكمَ الله كان صوابًا، وإذا لم يوافقه كان خطأً، ولكنه يُثاب على اجتهاده؛ لأنه لم يُقصِّر في البحث ابتغاءَ الكشف عن الحكم الشرعي، ومن هنا جاءَت صفةُ الإلزام للحكم الفقهي بالنسبة للمجتهدين؛ فإنه ملتزمٌ بالعمل به، ولا يجوز له أن يقلِّد غيره؛ لأن اجتهاده أدَّاه إلى ترجيح ما وصل إليه، وغلَب على ظنِّه أنه صادف حكم الله.
ومع ذلك؛ فقد نصَّ العلماء على أن مراعاة اختلاف الفقهاء مِن جُملة أنواع الاستحسان، ونَقَلوا عن الأئمة ما يدل على صفاء قلوبهم واتِّساع أفقهم إزاء مُخالفيهم، من ذلك ما روي من أن الإمام الشافعيَّ صلى الصبح قريبًا من مَقبُرة أبي حنيفة، فلم يَقنُت تأدبًا معه؛ ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق. وما روي من أن أبا يوسف اغتسَل يوم جمعة في حمام قريبٍ من المسجد، ثم صلى الجمعة إمامًا، وبعد ذلك أُخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام، فقال: إذن نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: إذا بلَغ الماءُ قلَّتَين لم يَحمل خَبثًا [1] .
5 -وأما غير المجتهد فإنه ليس مُلزَمًا باتباع أو تقليد الحكم الفقهي الصادر عن مجتهد بعَينه، في مقام الفتوى أو في مجال التعليم؛ لأن المجتهد لا يُنشئ حكمًا شرعيًّا، بل يحاول الكشف عن هذا الحكم باتباع الأمارات التي نَصبها الشارع للوصول إليه؛ وهكذا يتَساوى كلُّ مجتهد أمام طالب الفتوى، فله أن يختار من الأحكام الفقهية ما يطمئن إليه قلبه.
ومِن هنا أنكر البعضُ على أتباع المذاهب الفقهية جمودَهم على تقليد مذهب معين، ودعَوُا الناس إلى التعرف على حكم الله - ولو بالسؤال - ممن يبيِّن الحكم مستنِدًا إلى الدليل، وليس إلى إمام أو فقيه [2] .
6 -يبقى بعد ذلك التعرفُ على مدى القوة الملزِمة للحكم الصادر عن القاضي؛ سواء صدر هذا القضاء اتباعًا لحكم شرعي، أو نتيجةً لاجتهاد فقهي.
(1) ولي الله الدهلوي، الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، بيروت: 1398 هـ/ 1978 م، ص 110.
(2) ولي الله الدهلوي، المرجع السابق، ص 99/ 100 نقلًا عن الشيخ عز الدين بن عبدالسلام.