الصفحة 8 من 57

والواقع أن هذه المسألة فقد فُصِّل فيها على ضوء تعريف القضاء لدى مختلِف الاتجاهات الفقهية، فعند البعض: القضاء قولٌ ملزِم يَصدر عن ولاية عامة [1] ، وعند البعض الآخر: هو الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام [2] .

وهكذا يَكاد ينعقد الإجماع على أن الحكم القضائيَّ - حتى لو جاء بما يخالف مذهب المحكوم له أو المحكوم عليه - يجبُ اتباعه؛ سواء كان المحكوم له أو عليه مجتهدًا، أو عاميًّا، وسواء كان الحكم بالحرمة وهو يعتقد الحِلَّ، أو العكس [3] .

كذلك لا يجوز للقاضي أن يَنقُض حُكمًا سبَقه لاختلاف اجتهاده عما توصل إليه هذا الحكم؛ حيث إن ذلك يتضمن معنى القدح في القُضاة السابقين، والظاهر أن أحكامَهم تعتبر صحيحة ونافذة، فيجب صيانة القضاء عن الابتذال [4] .

وعلى ذلك: لو حكم قاضٍ حنفي ببُطلان خيار المجلس أو بصحَّة النكاح دون ولي، ثم عُرض قضاؤه على قاضٍ آخر لا يرى صحة هذا الاجتهاد - فليس لهذا الأخير أن يَنقض تلك الأحكام، وإن فعَل كان حكمُه واجبَ النقض [5] .

7 -نَخلُص من ذلك إلى أن المقصود بأحكام الفقه الإسلامي في مجال التقنين:"الأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلَّفين خاصة ... كالوجوب والحظر والإباحة والندب والكراهة، وكون العقد صحيحًا وفاسدًا وباطلًا، وكون العبادة قضاءً وأداء، وأمثاله" [6] ، سواء كانت هذه الأحكام قد شُرعت ابتداءً عن طريق القرآن والسنة، أو شُرعت بيانًا واستنباطًا عن طريق الأدلة التي نصَبها الشارع وتتبُّع مقاصد الشرع، وسواء وردَت هذه الأحكام على لسان الشارع نصًّا مباشرة، أو وردت على ألسِنَة المجتهدين من العلماء والقُضاة والمفتين، وسواءٌ وصلَت إلينا عن طريق الحفظ والرواية، أو عن طريق الكتابة في مُتونٍ

(1) القرافي، الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، القاهرة: 1989، ص 31.

(2) الشافعي، الرسالة بتحقيق أحمد محمد شاكر، القاهرة: 1358 هـ،/ 1940 م ص 420/ 421.

(3) محمود عرنوس، تاريخ القضاء، في الإسلام، القاهرة: 1352 ه/ ـ 1934، ص 140/ 141.

(4) القرافي، المرجع المتقدم، ص 41 - 43.

(5) الماوردي، الأحكام السلطانية، القاهرة: 1966، ص 67/ 68.

(6) الغزالي، المستصفى، بولاق: 1322 هـ، جـ 1، ص 4/ 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت