الصفحة 6 من 57

ورد الشرع الشريف ببيان أحكامه بيانًا شافيًا؛ امتثالًا لقول ربنا: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 48 - 50] ؛ وذلك بعد قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] ، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] ، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] .

3 -ب - وأما التشريع بمعنى: بيان حكم تقتضيه شريعة قائمة - ويسمى في الإسلام: الحكم الفقهي - فإنه: العلم بالأحكام الشرعية العمَلية من أدلَّتها التفصيلية [1] .

ويفصِّل ذلك ابنُ خَلدونَ بقوله:"الفقه: معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلَّفين، بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة، وهي مُتلقَّاة من الكتاب والسنة وما نَصبه الشارع لمعرفتها من الأدلة، فإذا استُخرِجَت الأحكام من تلك الأدلة قيل لها: فقه".

وقد تولى هذا العمل التشريعيَّ - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - علماءُ الأمة من بين الصحابة والتابعين وتابعيهم من الأئمة المجتهدين، وكانوا في فجر الإسلام يُسمَّون بالقرَّاء؛ لأن هذا النوع من التشريع كان مختصًّا"بالحاملين للقرآن، والعارفين بناسخه ومنسوخه، ومُتشابهِه ومُحكَمِه، وسائر دلالته مما تلقَّوه عن النبي، أو ممن سمعه منهم مِن عِلْيَتِهم ... وبقي الأمر كذلك صدْرَ الملَّة، ثم عَظُمَت أمصار الإسلام، وذهبَت الأميَّة من العرب بممارسة الكتاب وتمكُّن الاستنباط، وكمل الفقه وأصبح صناعة وعلمًا، فبدَّلوا باسم الفقهاء والعلماء من القرَّاء".

(1) التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون، الأستانة: 1317 هـ، ج 1 ص 36/ 37، الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، بيروت: 1985، جـ 1 ص 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت