وهكذا صار أولياء الأمور يُلزمون القضاة بأن يحكموا بمذهب معيَّن لا يعدونه، فقد كان وُلاة قرطبة إذا ولَّوا رجلًا القضاء شرَطوا عليه في سجلِّه ألا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده، ونحو ذلك ورد عن سحنون: وذلك أنه ولَّى رجلًا القضاء - وكان الرجل ممن سمع بعض كلام أهل العراق - فشرط عليه ألا يقضي إلا بقول أهل المدينة ولا يتعدَّى ذلك [1] .
وجاء في خطط المقريزي: أن إسماعيل بن اليسَعِ الكوفي عُين قاضيًا بمصر، وكان يذهب إلى قول أبي حنيفة في إبطال الأحباس، فثقل أمره على أهل مصر وسنموه، فكتب الليث بن سعد إلى الخليفة: يا أمير المؤمنين، إنك وليتَنا رجلًا يَكيد سنة رسول الله بين أظهرنا، مع أننا ما عَلمنا عليه في الدينار والدرهم إلا خيرًا، فكتَب بعَزلِه [2] .
47 -تقنين الأحكام في المتون: ترتَّب على إلزام القضاة - صراحة أو ضمنًا - أن يحكموا بمذهب معين له مدوَّنات معروفة - تصدِّي بعض الفقهاء، ومنهم من تولَّى القَضاء، لاختصار كتب المذهب في متون تميَّزَت بالدقة والعمق مع بيان الرأي الراجح أو القول المفتى به أو ما عليه العمل في المذهب:
1 -ففي المذهب الحنفي: قام محمد بن أحمد المروزي، الشهير بالحاكم الشهيد (المتوفى سنة 334 هـ) ، باختصار الكتب الستَّة لمحمد بن الحسن، في كتاب جامع أسماه"الكافي"، وهو كتاب معتمَد في نقل المذهب، شرَحه جماعة منهم"السرخسي" (المتوفى سنة 490 هـ) في"المبسوط" [3] .
2 -وفي المذهب المالكي: نجد"بداية المجتهد ونهاية المقتصد"لابن رشد الحفيد (المتوفى سنة 595 ه) ، الذي تولى قضاء"إشبيلية"سنة 565 هـ، ثم قضاء"قرطبة"من سنة 567 هـ إلى سنة 578 هـ، ثم قاضيَ قضاتها بعد ذلك.
وقد عرَض ابن رشد في هذا الكتاب أحكام المذهب وأدلتَها مقارنةً بأحكام المذاهب الأخرى، وكتب في مقدمته:"فإن غرَضي في هذا الكتاب: أن أُثبت فيه لنفسي على جهة التذكرة من مسائل الأحكام"
(1) محمود عرنوس، المرجع السابق، ص 282.
(2) محمود عرنوس، نفس المرجع، ص 45. وانظر في حكم التزام القاضي مذهبًا بعينه: الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 67/ 68.
(3) طبع المبسوط بمطبعة السعادة - مصر: 1324 - 1331 هـ، في ثلاثين جزءًا.