الصفحة 51 من 52

ثانيًا: أن الموالد ذكر، والذكر عبادة.

ثالثًا: أن أهل الموالد يقصدون التقرب إلى الله تعالى بما يفعلون، والتقرب عبادة.

إذًا الموالد عبادة وليست عادة، فتدخل في باب: الأصل في العبادات المنع إلا بنص،

ولا تدخل في باب: الأصل في العادات الإباحة إلا بنص.

ومن ثم لا يجوز الاحتجاج بقاعدة"الترك لا يقتضي التحريم"؛ إذ هذه القاعدة يُعمل بها في العادات لا في العبادات. ثم إن دعوى أن"الترك لا يقتضي التحريم"هكذا بإطلاق صادم النص النبوي:

"وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة"فيصبح هذا النص لا معنى له، إذا عمل بتلك الدعوى على إطلاقها دون التفصيل المذكور.

ودائمًا ما يخلط دعاة الاحتفال بالمولد بين البدعة والمصلحة المرسلة.

والضابط الذي تتميز به المصلحة المرسلة من البدع المحدثة، هو ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في"اقتضاء الصراط المستقيم: 2/ 594":"والضابط في هذا والله أعلم أن يقال: إن الناس لا يحدثون شيئًا إلا لأنهم يرونه مصلحة؛ إذ لو اعتقدوه مفسدة؛ لم يحدثوه؛ فإنه لا يدعو إليه عقل ولا دين."

فما رآه الناس مصلحة؛ نظر في السبب المحوج إليه، فإن كان السبب المحوج إليه أمرًا حدث به النبي صلى الله عليه وسلم لكن من غير تفريط منه؛ فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائمًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن تركه النبي صلى الله عليه وسلم لمعارض زال بموته.

وأما ما لم يحدث سبب يحوج إليه، أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد، فهنا لا يجوز الإحداث، فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم موجودًا، لو كان مصلحة ولم يُفْعَل: يُعْلَم أنه ليس بمصلحة.

وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخالق؛ فقد يكون مصلحة ..."إلخ."

وخلاصة القول: أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري، أو رفع حرج لازم في الدين، وليست البدع عند من يدعيها هكذا بيقين؛ لأن المبتدع إنما يفعل البدع بقصد زيادة التقرب إلى الله، وإن لم يكن هناك حاجة لإحداث ذلك الفعل.

إن دعاة الاحتفال بالمولد يعرضون هذه القضية على أنها خصومة بين أحباب الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أعدائه، وخلاف بين من يعظمون الرسول صلى الله عليه وسلم ويقدرونه وينتصرون له، وبين من يهملونه، ولا يحبونه،

ولا يضعونه في الموضع اللائق به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت