الشُّبْهَة الثالثة عشرة:
قولهم: الترك لا يقتضي التحريم: وينسبون مثل هذا الكلام إلى الأصوليين، بل ويبالغ بعضهم، ويغلو عندما يزعم أنه إجماع.
الرد عليها:
نعم. الأصوليون لم يجعلوا الترك من أنواع التحريم، فالتحريم يكون بالنص ونحوه مما يدل على التحريم، لكن هاهنا فرق لابد من التنبه له، هو سبب هذا الإشكال:
كلام الأصوليين إنما هو في العادات لا في العبادات. فالأصل في العادات الإباحة، فالترك في باب العادات لا يدل على التحريم، فمثلًا النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل الضب، فهل هذا يدل على تحريمه؟
الجواب: لا؛ لأن الترك لا يدل على التحريم، هذا في باب العادات، وهكذا كل شيء من المنافع الدنيوية الأصل فيها الإباحة، إلا إذا ورد ما يمنع، وهذا من التوسيع والرحمة.
وأما العبادات: فالأصل فيها التحريم إلا إذا ورد الإذن، وعلى ذلك فما تركه الشارع فهو محرم، إذ لو كان مشروعًا لفعل، فالترك دل على عدم المشروعية، فكل ما نوقعه من عبادات، من صلاة وصيام وحج وزكاة، كلها لم يكن لنا القيام بها لولا إذن الشارع، وهذا هو مقتضى التسليم وعدم التقدم بين يدي الله ورسوله.
ولو كان لكل إنسان الحق أن يخترع عبادة كيفما شاء، لم يكن من داع لإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم لتبليغ رسالة الرب إلى الخلق، بل يترك لكل قوم وكل إنسان أن يخترع ما شاء من العبادات، وهذا باطل.
والدليل على أن الأصل في العبادات المنع، قوله صلى الله عليه وسلم:"وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة"وعلى ذلك فالمولد هل هو من باب العبادات أم من باب العادات؟!
لننظر فيما يكون في المولد كما يراه صالحوهم، إنه اجتماع لتلاوة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، مع إنشاد المدائح النبوية بأصوات ملحنة، ثم تقام الولائم لأجل ذلك، وهم يفعلون ذلك في كل عام مرة على الأقل في تاريخ محدد، وهذا بلا ريب عبادة محضة، والأدلة على ذلك:
أولًا: من حيث أنهم يتخذون ذلك اليوم عيدًا، والعيد هو ما يعتاد مجيئه في كل زمن، فالجمعة عيد؛ لأنه كل أسبوع، والفطر والأضحى عيد؛ لأنه كل عام، وعلى ذلك فقس المولد، فهو يحتفل به كل عام، وهذا تشريع، واتخاذ ليوم لم يأذن به الشارع أن يكون عيدًا، ونحن نعلم أن المسلمين ليس لهم إلا عيدان يحتفلون بهما: الفطر والأضحى، ولا يجوز لهم أن يتخذوا عيدًا ثالثًا، والحاصل في المولد أنه صار عيدًا يُحْتَفل به، أي صار عيدًا ثالثًا في الإسلام، وهذه هي الضلالة.