الصفحة 52 من 52

ولا شك أن عرض القضية على هذا النحو هو من أعظم التلبيس وأكبر الغش لجمهور الناس، وعامة المسلمين، فالقضية ليست على هذا النحو بتاتًا؛ فالذين لا يرون جواز الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم خوفًا من الابتداع في الدين، هم أسعد الناس حظًا بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته، فهم أكثر الناس تمسكًا بسنته، واقتفاءً لآثاره، وتتبعًا لحركاته وسكناته، واقتداءً به في كل أعماله صلى الله عليه وسلم، وهم كذلك أعلم الناس بسنته وهديه ودينه الذي أرسل به، وأحفظ الناس لحديثه، وأعرف الناس بما صح عنه وما افتراه الكذابون عليه، ومن أجل ذلك هم الذابون عن سنته، والمدافعون في كل عصر عن دينه وملته وشريعته.

بل إن رفضهم للاحتفال بيوم مولده وجعله عيدًا، إنما ينبع من محبتهم وطاعتهم له، فهم لا يريدون مخالفة أمره، ولا الافتئات عليه، ولا الاستدراك على شريعته؛ لأنهم يعلمون جازمين أن إضافة أي شيء إلى الدين، إنما هو استدراك على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن معنى ذلك أنه لم يكمل الدين، ولم يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم كل ما أنزل إليه، أو أنه استحيا أن يبلغ الناس بمكانته ومنزلته، وما ينبغي له، وهذا أيضًا نقص فيه، حاشاه ذلك حاشاه صلى الله عليه وسلم.

فهذه أبرز شبه المجيزين للاحتفال بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم:

والشبة التي استند إليها لقائلون بالاحتفال بالمولد النبوي كثيرة، وليس هذا مجال حصرها؛ لأن استقصائها والإحاطه بها تحتاج إلى مؤلفٍ كبيرٍ جامع لها، والقصد هنا هو الإشارة والتنبيه إلى بعض هذه الشبة، وقد ذكرت بشكل موجز ردود العلماء على هذه الشبه؛ فبان أنه ليس في أي واحدة منها دليل على جواز الاحتفال بالمولد النبوي، ولكن القائلين بهذه البدعة أرادوا إضفاء الصبغة الشرعية على هذا الأمر المبتدع؛ فاستشهدوا بهذه الأدلة، وفسروها بما يوافق هواهم وعقيدتهم الفاسدة؛ فكانوا كما قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ} (الجاثية: 23) [1]

ولتعلم أخي الحبيب ...

أن الشُّبَهَ التي لم تُذكر ليس فيها دليل لا من قريب ولا من بعيد على جواز هذه البدعة، ولكن لا يتشبث بها إلا من كان في قلبه مرض، أو حقد على دين الله، وعلى أَتْباع رسوله صلى الله عليه وسلم، وإلا فهي حجج أوْهَى من بيت العنكبوت.

(1) (راجع في هذا: كتاب"البدع الحولية"، وكتاب التبرك: أنواعه وأحكامه"، وكتاب"حوار مع المالكي في رد منكراته وضلالاته"للشيخ/ عبد الله بن منيع، وكتاب"حقوق النبي بين الإجلال والإخلال"، و"القول الفصل"للشيخ/ إسماعيل الأنصاري، وكتاب"الإنصاف"للشيخ/ أبي بكر الجزائري) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت