عليه من فعل أو ترك فهو السنة والأمر المعتبر، وهو الهدى وليس إلا صوابًا أو خطأ، فكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأٍ، وهذا كافٍ.
وكثيرًا ما تجد أهل البدع والضلالة يستدلون بالكتاب والسنة يحملونهما مذاهبهم، ويغبرون بمشتبهاتهما في وجوه العامة، ويظنون أنهم على شيء، ولذلك أمثلة كثيرة؛ منها: استدلال التناسخية ـ القائلون بتناسخ الأرواح ـ على صحة ما زعموا بقوله تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ} (الانفطار: 8) ، واستدلال كل من اخترع بدعة واستحسن محدثة لم تكن في السلف الصالح بأن السلف اخترعوا أشياء لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ككتابة المصحف، وتدوين الدواوين، وتصنيف الكتب، وتضمين الصناع، وسائر ما ذكر الأصوليون في أصل المصالح المرسلة؛ فخلطوا وغلطوا، واتبعوا ما تشابه من الشريعة ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلها، وهو كله خطأ على الدين، واتباع لسبيل الملحدين؛
فإن هؤلاء الذين أدركوا هذه المدارك وعبروا على هذه المسالك، إما أن يكونوا قد أدركوا من فهم الشريعة ما لم يفهمه الأولون، أو حادوا عن فهمها، وهذا الأخير هو الصواب؛ إذ المتقدمون من السلف الصالح كانوا على الصراط المستقيم، ولم يفهموا من الأدلة المذكورة وما شابهها إلا ما كانوا عليه، وهذه المحدثات لم تكن فيهم ولا عملوا بها؛ فدل على أن تلك الأدلة لم تتضمن هذه المعاني المخترعة بحال، وصار عملهم بخلاف ذلك دليلًا جماعيًا على أن هؤلاء في استدلالهم وعملهم مخطئون ومخالفون للسنة.
2 ـ إن كبار المفسرين قد فسروا هذه الآية الكريمة، ولم يكن في تفسيرهم أن المقصود بالرحمة في هذه الآية: رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما المقصود بالفضل والرحمة المفروح بهما، ما عنته الآية وهو:
قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ *
قُُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (يونس 57،58) .
قال ابن جريرـ في تفسيره (15/ 105) :
"قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره ـ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُُلْ} يا محمد لهؤلاء المكذبين بك ومما أُنزل إليك من عند ربك {بِفَضْلِ اللّهِ} أيها الناس الذي تفضل به عليكم؛ وهو: الإسلام؛ فبينه لكم، ودعاكم إليه {وَبِرَحْمَتِهِ} التي رحمكم بها؛ فأنزلها إليكم؛ فعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من كتابه؛ فبصركم بها معالم دينكم؛ وذلك: القرآن {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (يونس: 58) . يقول:"