إذا عُلِم ما تقدم، فمفهوم البدعة الشرعية لا ينطبق على فعل عمر رضي الله عنه، وإنما أراد رضي الله عنه بقوله المذكور: البدعة اللغوية، فالبدعة في الشرع لا تُسْتخدم إلا في موضع الذم، بخلاف اللغة فإن كل ما أحدث على غير مثال سابق بدعة، سواء أكان محمودًا أو مذمومًا. وعلى هذا حمل العلماء قول عمر رضي الله عنه
فقد قال الإمام ابن كثير- رحمه الله - عند تفسير الآية (17) من سورة البقرة ما نصه:
والبدعة على قسمين:
تارة تكون بدعة شرعية؛ كقوله صلى الله عليه وسلم:"فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"، وتارة تكون بدعة لغوية، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم:"نعمت البدعة هذه"....
وقال ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ:
"فإذا كان نص رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دل على استحباب فعل أو إيجابه بعد موته، أو دل عليه مطلقًا، ولم يُعمل به إلا بعد موته، ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر رضي الله عنه، فإذا عمل هذا العمل بعد موته، صح أن يسمى بدعة في اللغة؛ لأنه عمل مبتدأ، كما أن نفس الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم يسمى بدعة، ويسمى محدثًا في اللغة، كما قالت رسل قريش للنجاشي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين إلى الحبشة:"إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم، ولم يدخلوا في دين الملك، وجاءوا بدين محدث لا يعرف""
ثم ذلك العمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة، ليس بدعة في الشريعة، وإن سمي بدعة في اللغة، فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة، وقد علم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم:"كل بدعة ضلالة"،
لم يرد به كل عمل مبتدأ، فإن دين الإسلام، بل كل دين جاءت به الرسل فهو عمل مبتدأ، وإنما أراد: ما ابتُدأ من الأعمال التي لم يشرعها هو صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان كذلك، فالصحابة كانوا يصلون قيام رمضان على عهده صلى الله عليه وسلم جماعة وفرادى، وقد قال لهم في الليلة الثالثة، أو الرابعة، لما اجتمعوا:"إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن تفرض عليكم، فصلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة"،
فعلل صلى الله عليه وسلم عدم الخروج بخشية الافتراض، فعلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم.
فلما كان في عهد عمر رضي الله عنه جمعهم على قارئ واحد، وأسرج المسجد، فصارت هذه الهيئة ـ وهي