الصفحة 30 من 39

وفي رواية عند ابن منده عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ما رأيت أحدا أحسن مسألة ولا أوجز من ضمام بن ثعلبة [1] .

يستفاد من هذا الحديث عدة أمور تربوية في الحوار مع الآخر منها [2] .

أ_ تهيؤ الرسول صلى الله عليه وسلم قد أسرع في إجابةالرجل حتى قال له: (( قد أجبتك ) )أي أسمعتك، ثم أعطاه مطلق الحرية في السؤال والاستفسار وقال له: سل ما بدا لك، وأجاب على أسئلته حتى انتهى، فأسلم ثم انطلق ليبلغ قومه.

ب_ تقديم الاعتذار للمحاور الآخر في حال التشديد عليه في الكلام، وهذا من علو أدب ضمام، فقد قدم الاعتذار بين يدي مسألته لظنه أنه لا يصل إلى مقصوده إلا بتلك المخاطبة.

ج_ إن الإيجاز والاختصار والإيضاح في السؤال أو الجواب أثناء الحوار لمن أنبل الآداب، كما يشهد لهذا قول عمر رضي الله عنه.

ثانيًا: روى ابن هشام رحمه الله تعالى عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعية وكان سيدا قال يوما وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم الى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟

وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون.

فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه.

فقام إليه عتبة حتى جلس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن أخي: إنك منا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك أتيت قومك بأمر عظيم؛ فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها.

قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع.

قال يا ابن أخي: إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه، قال أقد فرغت يا أبا الوليد؟

قال نعم.

(1) فتح الباري ج 1/ص 150.

(2) الحوار في السنة وأثره في تكوين المجتمع للدكتور تيسير محجوب الفتياني ص 175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت